أعمدة ومقالات

د. علي جعفر يكتب..”دولة المؤسسات والقانون في ظل التشجيع الحزبي السياسي”

محاربة الفساد تتطلب، اشراك المجتمعات مع الجهات الرسميّة، لتتضامن المجهودات وتكون آليات محاربة الفساد فعّالة للغايّة، وقد سلكت هذا النهج كثير من الدول التي نجحت تماماً في القضاء علي الفساد وتنميّة بلادها والنهوض بشعوبها..
الهند.. نيجيريا.. سنغافورة.. وغيرها من دول.. تمكنت عبر مجتمعاتها من القضاء علي مظاهر الفساد وتأسيس دولة المؤسسات والقانون..

الوعي المجتمعي، وتصحيح مفاهيم الأفراد، هو أول خطوات محاربة الفساد والقضاء عليّه، ولا يكون الوعي المجتمعي الا عبر نبذ الانتماءات الحزبيّة الضيّقة، التي تجعل من الفساد منظومة حزبيّة أكثر من أنّه سلوك لا أخلاقي ومخالفة واضحة للقانون، والتشجيع الحزبي السياسي بالسودان ما بين الاسلاميين والعلمانيين، جعل من الفساد ظاهرة سياسيّة ملتصقة بطرف دون الآخر، فانعدمت بذلك النظرة الصحيحة لتقييم الفساد من الجوانب الأخلاقية الإنسانيّة..

لتوضيح ذلك، في الوقت الذي يرأى فيه العلمانيون فساد قيادي كوز لامتلاكه من خلال موقع مسؤولية بالدولة لعدد 230 قطعة أرض، لا يرون فساداً في دفع حمدوك لمبلغ 70 مليون دولار من خزينة الدولة لأمريكا كتعويض لضحايا تفجيرات برأت المحكمة فيها حكومة الكيزان من تهمتها..
وفي الوقت الذي يري فيه الاسلاميون فساد حكومة حمدوك في استئثار شركة الفاخر بتصدير الذهب وارتفاع الدولار الذي وعدت الدولة بتخفيضه، لا يرون فساد قياداتهم المُوثّق بتقارير المراجعيين في ديوان المراجعة العامّة ويطالبون بالاثبات..

ونتيجة لهذه النزاعات الحزبيّة السياسيّة، صارت المؤتمرات الصحفيّة رهينة الأجندة السياسيّة، يتم عقدها لمواضيع ويتم تغييبها عن أخرى، فحين تسلك حكومة حمدوك عقد مؤتمر صحفي لتوضيح حقائق فساد قيادات الكيزان، فإنّها في نفس الوقت تتغافل عن عقد مؤتمرات صحفيّة تمارس عبرها الشفافيّة حول مواضيع محددة مثل تعويضات ضحايا المدمرة كول ومثل عقد شركة الفاخر وبنوده وأجندته..

الفساد في السودان أصبح صكوك سياسيّة تتبادلها الأحزاب في اطلاق الاتهامات لبعضها البعض ومن خلفهم المشجعيين السياسيين، يدعمون فساداً وينددون بآخر وفق المصالح الحزبيّة، ونتيجة لهذه المفاهيم الخاطئة، سيصبح حلم الأجيال السودانيّة في دولة المؤسسات والقانون مستحيلاً.. طالما أنّ الحزبيّة الضيّقة وعدم التجرّد والنكران من أجل القضايا الوطنيّة العامة هو الثقافة الموجودة الآن على المسرح السوداني السياسي..

ثورة راح ضحيتها شباب جامعات.. ودفع ثمنها أبرياء يحلمون بدولة المؤسسات والقانون، فكانت نتيجتها.. صراعات حزبيّة وتشجيعات سياسيّة من ناشطين لا يلتزمون بأبسط مبادئ الوطنيّة والاخلاص للوطن، ويملؤون الأسافير ضجيجاً وصراخاً وعويلاً.. عن الفساد، ومفاهيمهم كلّها فاسدة لا تخلق الوعي والنضج الفكري للأجيال و لا تُسمن ولا تُغني من جوع…

ويا أسفاً عليك يا وطني.. يقود تصحيح المفاهيم فيك.. مشجعيين سياسيين.. بعضهم يدافع عن نظام بائد.. وبعضهم يداري عورات نظام حالي.. من أجل الإنتماءات الحزبيّة وليس من أجل الوطن..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق