أعمدة ومقالات

د. علي جعفر يكتب… أطباء بلا حدود.. وادارات تنتهك حرمات المهنيّة

عندما نطالب بدولة المؤسسات والقانون، يجب أن نعي تماماً مفهوم الوصف الوظيفي لتخصص المهنة، وهذا ما سيجعلنا نلتزم بالمهنيّة والمؤسسيّة وبالتالي نحترم الوظيفة أكثر من تقديسنا للأشخاص، وتكون بذلك اللوائح والقوانين هي الفيصل في كل نزاعاتنا وخلافاتنا الاداريّة..

التعيينات الاداريّة المهنيّة بمؤسسات أجهزة العلميّة، كوزارة الصحة مثلا، تخضع قانونيّاً واداريّاً للتخصص الأكاديميّ الذي تخرج به الخريج الجامعي، وهي شهادة “البكالاريوس”، فهي الأصل في التعيين، وليس شهادة الماجستير أو الدكتوراة..

الشهادات العليا، كالماجستير والدكتوراة، ليست هي بوابة التعيين في التخصص المهني، في دولة المؤسسات والقانون، بل هي درجات علميّة يتمّ بها الترقي في الوظيفة فقط، لأنّها تعكس ترقي وتطور التخصص العلمي “البكالاريوس” الذي تمّ التعيين به..

تسليم إدارات مؤسسات الدولة لكوادر غير مختصّة اداريّاً، هي بدايّة انهيار التنمية والاقتصاد بالبلاد بسبب انهيار المؤسسيّة والتخصص الوظيفي.. فكيف ان كان هذا الانهيار في وزارة حيويّة كوزارة الصحة..؟! تتعلق الوظيفة الاداريّة فيها بسلامة صحة الانسان ووقايته من الأمراض.. وادارة بيئته صحيّاً..

تعيين الأطباء في مواقع ضباط الصحة لا يحدث الا في السودان، وتعيين الأطباء في مواقع الادارة بالمستشفيات والجامعات لا يحدث الا في السودان، وتعيين الأطباء في المنظمات التنمويّة والهيئات الخيرية لا يحدث الا في السودان، وهذا جزء لا يتجزأ من انهيار المؤسسيّة بالبلاد..

من تخصصوا في ادارة الأعمال أصبحوا يديرون مواقع بيع الرصيد ويدور بعضهم متجولاً بأحياء المدينة كسائقي “أتوز..”، وبعضهم يديرون “الركشات”.. وضباط الصحة أصبحوا ملازمين بيوتهم.. بعد أن تمّ تجريدهم من صلاحيات تخصصاتهم الصحيّة واستبدالها بأطباء..

درس خريج كلية الصحة تخصصات الصحة العامة المختلفة من التثقيف الصحي وصحة وسلامة الغذاء والماء والطب الوقائي والصحة المهنيّة والرعاية الصحيّة، وادارة الملاريا، والصحة الانجابيّة، والوبائيات، وغيرها من تخصصات ترتكز في مجملها على الادارة الصحيّة للبيئة وتحديد وتقييم الأوبئة والكوارث البيئية وطرق انتشارها والوقاية منها والإدارة الإحصائية لها والمسوحات الميدانيّة للبئيات المختلفة..

ودرس خريج كلية الطب تخصصات الطب المختلفة مثل الطب الباطني، الجراحة، النساء والتوليد، طب المجتمع، طب الطوارئ، طب الأطفال، الطب الشرعي، طب الأسنان، وغيرها من تخصصات طبيّة أخرى معروفة، ترتكز المهنة فيها على تشخيص الأمراض وتحديد أعراضها وطرق علاجها والوقاية منها، لذلك مجال الطبيب هو المستشفيات والمستوصفات والمراكز العلاجية حيث يحتك ويتعامل مع المرضى.. وليس مع المكاتب والادارة..

من يحمل تخصص بكالاريوس طب لا يُجدي نفعاً تعيينه في ادارة صحيّة وهو ليس بخريج تخصص بكالاريوس صحة عامة، ولا يمتلك الخبرة في الادارة الصحيّة، حتى وان كان قد أجرى دراسات عليا في جزئية معيّنة من تخصص الصحة ونال عبرها الدكتوراة أو درجة بروفيسور.. اللهم الّا في حالة انعدام التخصص المطلوب..

ان كان يريد البعض التمكين “للتغّولات الوظيفيّة”، فهو يضرب المؤسسيّة في مقتل، ويرتكب جناية كبرى في حقوق التخصصات الأخرى، فأين سيذهب خريجي الصحة العامة، وخريجي ادارة الأعمال، عند تعيين خريجي الطب في وظائفهم..؟!

الالتزام بالمؤسسية هو الواجب، ولا يهم ان كانت ضابطة الصحة “سمر” “شيوعيّة أو كوزة” ما يهم أنّها تخصص صحة عامة تخرجت من كلية الصحة بجامعة الخرطوم..

ود. بدر الدين لا أحد يطعن في كفاءته، فهو طبيب امتياز، خريج طب يمكن أن يخدم المجتمع في تخصصه الطبي، وليس موقعه الادارة الصحيّة.

فيجب مساندة التخصص حتى وان كان حامله من جزر القمر ولم يكن من أهالي المنطقة، فالتخصص العلمي هو من ينهض بالمجتمعات.. فأنت أيّها الثائر كمختص من أهالي ولاية كسلا يُمكن الاستعانة بك في السعودية والأمارات في وظيفة تخدم عبرها المجتمع.. مع أنّ ولاية كسلا لا تتبع لهذه الدول..

الحمد لله، لست شيوعي، ولا أساند الشيوعية كآيدلوجيّة فكريّة، ولكنها المؤسسيّة المهنيّة تحتّم علينا انصاف ضباط الصحة وحمايّة هذا التخصص الحيوي الفعّال لنهضة المجتمعات..

والحل في البل، والبل “بل هو بل التمكينات السياسيّة على حساب المؤسسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق