سياسة

د.نافع .. مديرالمخابرات / رصد وتحليل وتقييم

 

بقلم الدكتور/ طارق محمد عمر

بمدينة شندي حيث عمل والده كان الميلاد في العام 1948 .. وفي صباه الباكر دفع به للعيش في كنف عمدة البطاحين/ محمد صديق طلحة .. بمنطقة تميد النافعاب الذين منهم انحدر .. والتميد تقع شمال شرق شندي .. وهي من سهول البطانة حيث رعي الإبل والزراعة المطرية .

كان الآباء يتخيرون انجب صبيانهم فيوكلون شأن تربيتهم وتعليمهم للعمد قدوة واسوة .

عاش الصبي في صالون العمدة ضمن صبية آخرين .. فهم بين الخلوة والصلاة ودروس الفقه وتكاليف تناسب أعمارهم .. ولهو بريء ومشاهدة سباقات الهجن .. ذات المدلول الاجتماعي والسياسي والترفيهي .. من هنا بدأت شخصية الصبي نافع في التشكل .. وقد انعكس ذلك الواقع على مسيرته العلمية والاجتماعية والعملية .. لاسيما اثر العمدة طلحة .

التحق التلميذ نافع بمدرسة التميد الأولية ثم شندي الوسطى .. وفي المرحلة الثانوية انتقل للدراسة بوادي سيدنا العليا بمدينة ام درمان .. ومنها إلى كلية الزراعة جامعة الخرطوم التي ابتعثته الى مدينة كاليفورنيا الامريكية فحصل على درجتي الماجستير والدكتوراة متخصصا في علم الوراثة .. وكان بمثابة العمدة للطلاب المبتعثين .. فهو من يستقبل ويودع ويواسي ويحل العقد .

عاد للبلاد في العام 1980 وأصبح محاضرا بكلية الزراعة جامعة الخرطوم وسكن مستاجرا بحلفاية الملوك ثم بمنزل الجامعة بشمبات الزراعة .

انتماء الطالب نافع للحركة الإسلامية كان طبيعيا بحكم النشأة الدينية ولان الخيار الثاني هو اليسار الشيوعي .. وأعتقد جازما بأن الحركة على حق محض وغيرها على باطل وأنها محصنة من كل عيب .. وهذه حالة نفسية وعقلية تنتاب كل من ينضم لتنظيم عقدي أيا كان توجهه .

ومع عودته من أميركا الحق بمكتب تنظيمي يعنى بالعمل التقابي .. يجمع ويرصد ويحلل المعلومات النقابية .. ووقتها كان الراحل د . مجذوب الخليفة مسؤولا عن إدارة المكتب وخلفه د .نافع .

في الفترة من 1980 — 1989 كانت مكاتب معلومات الحركة الإسلامية في طور التكوين والاجتهاد بمعونة من بعض ضباط جهاز امن الدولة المحلول المستقطبين .. لكن اغلبهم كانوا شبابا محدودي التجربة .

إثر وقوع انقلاب الإنقاذ 1989 عين د. نافع نائبا للمدير لفترة وجيزة ثم مديرا عاما .

بدأ د. نافع في استيعاب الضباط والأفراد الجدد والدفع بهم الى مراكز التدريب العسكري والأمني وبعضهم استوعب اضطرارا دون تأهيل عسكري .. وكلما تخرجت دفعة قسمها على الإدارات .

ادخل نظام التخطيط السنوي مقسما لأرباع مما سهل عملية تحديد الأهداف والمتابعة .. وانتقلت الفكرة لكل مؤسسات الدولة .

كان النشاط الأمني يعتمد على ضباط وأفراد جهاز أمن الدولة ( أمن النميري ) وبعض القادمين من الاستخبارات العسكرية والإدارة والتدريب ونحو ذلك .. ثم قرر استيعاب كفاءات اخر من قادة أمن الدولة لتثبيت دعائم الجهاز الوليد .. وبالفعل تم استيعاب اللواء / جعفر حسن صالح وعنايت عبد الحميد وهاشم اباسعيد وآخرين .. بينما اعتذر بعضهم لظروف عملية ..منهم اللواء / أحمد الجعلي مدير مكافحة التجسس الأسبق .

بحكم براءة الريف وحسن النية وضعف التجربة ومحدودية الثقافة الأمنية لم يتصور د. نافع وجود اختراق داخل الحركة الإسلامية تحول لبوابة مشرعة لإلحاق العملاء والجواسيس بالجهاز .. ومختلف مؤسسات الدولة السيادية والخدمية .. كما انه لم يتخيل وجود نشاط محموم للمخابرات الغربية والمصرية والحبشية والإسرائيلية والماسونية العالمية داخل مؤسسات الدولة بما فيها الجهاز الذي يدير .

حاول الصادقون من الإسلاميين تنبيه القادة لوجود اختراقات ولكن دون جدوى .. لأن من تبهوا اما حاهلين بالمخابرات او متورطين مع جهات خارجية.

بمرور الوقت بدأت شبكات العملاء والجواسيس تتشابك وتقوى وتبيع تقارير الجهاز لمن يطلب من السفارات والمعارضين مما عرض أرواح الكثيرين للخطر .

من جانبهم اجتهد المخلصون في تطوير أنفسهم استخباريا وحققوا إنجازات لايستهان بها في تلك الظروف بالغة التعقيد .. إذ اكتشفوا عدة شبكات تجسسية وجندوا عددا من الدبلوماسيين واحدثوا تغرات في جدار الحصار الشامل المضروب على السودان .

التف العملاء والجواسيس والسراق حول د. نافع واقنعوه بأنهم صادقون مخلصون .. واوغروا صدره تجاه الصادقين .. فصدقهم .. ثم كرهوه في مكاتب المعلومات غير الرسمية او ما يعرف بالأمن الشعبي فأبى التعاون والتنسيق معهم بل اعتقل بعضهم بعلمه وبدونه .. فحدث شرخ تنتنظيمي استحال رتقه .

حدث ذلك بسبب افتقار د. نافع للثقافة القانونية وأهم قيمة عدلية الا وهي الاستماع للخصمين لا لطرف دون آخر .. وهي آفة عامة في السودان .

بحسن نية خطط د. نافع لتكوين منظومة امنية تضم قادة اجهزة الدول العربية والإسلامية وأرسل لهم مبشرا .. ولم يخطر بباله أن جل هذه الأجهزة مخترقة لجهات خارجية .. الشيء الذي ازعج المخابرات الغربية فشددت الخناق على البلاد والجهاز واعتبرت ذلك خطأ احمرا هدفه توحيد المسلمين .. ايذانا بعودة الخلافة الإسلامية . تسلم د. نافع مخطط اضعاف وهدم ثورة الإنقاذ الوطني على غرار ماحدث للثورة المهدية .. كما استلم مخطط تقسيم السودان لخمس دويلات .. كان ذلك في العام 1994 وبلاريب فقد سلم بيده التقريرين للجهات الأعلى.. الا ان المخططان أخذا طريقهما للنفاذ .. مما يعزز فرضية اختراق النظام والتنظيم على مختلف المستويات .

لم يفرد إدارة متخصصة لحماية السلطات الثلاث من الاختراق فاخترقت مكاتب رئيس الجمهورية وإدارات القصر الجمهوري ومجلس الوزراء وكافة الوزارات .

أهمل الجانب العلمي الاستخباري المطور للاداء ..ولم يكتشف جريمة العميل وهي الأخطر والأهم .. واكتفى بجريمة التجسس الأقل خطرا وأهمية .

لم ينتبه للثغرات القانونية التي اعاقت أداء الجهاز فغابت النهاية القانونية لكل جرم اغترف .. وغاب التدريب القانوني نظريا وعمليا فحضر الاجتهاد الشخصي .

أدار الجهاز وهو مؤسسة رسمية شبه عسكرية بطريقة عمد الادارات الأهلية القائم على حسن النية والتجاوز عن المخطئين عوضا عن انفاذ القوانين واللوائح .

كانت قاصمة الظهر وطعنته النحلاء من كبير عملاء وجواسيس المخابرات المصرية الذي شغل منصبا زفيعا في الجهاز بغير وجه حق وافسده أيما إفساد .. حين ورط الجهاز في محاولة اغتيال الرئيس المصري / مبارك .. وترتب على ذلك إقالة د. نافع وزمرة من خيرة أبناء الوطن الذين لم يعلموا بالمحاولة إلا عبر الإعلام .. بينما استمر الخائن في منصبه مترقيا .

نخلص إلى ان د. نافع رجل عالم في تخصصه .. متدين .. متفقه .. عابد .. زاهد .. صادق .. امين .. شجاع لكنه وضع في منصب لايتناسب وتخصصه والبيئة التي فيها نشأ .

تلك بداية لمشروع توثيقي ..

آمل ان يكون درسا لهذا الجيل ومايليه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق