أعمدة ومقالاتمدونة الدكتور طارق محمد عمر

دكتور طارق محمد عمر : مخابرات شتازي / تحليل الضحية

الأربعاء 6 مايو 2020

صوت السودان

دكتور / طارق محمد عمر

المانيا هي موطن كارل ماركس صاحب نظرية الاقتصاد الاشتراكي المقترن بالالحاد .. ومنها انطلق لينين لاشعال الثورة البلشفية في موسكو بمساعدة 5 من أكفأ ضباط الميدان في المانيا .. اوصلوه سرا حتى الحدود وزودوه بنحو 50 مليون دولار ومنها انطلق .
المانيا هي أصل الشيوعية وإليها يشد الرحال سرا لتعلم النظرية والتطبيق والإدارة والتنظيم والمخابرات .. وازداد النشاط بتقسيم المانيا الي شرقية وعربية وبناء الجدار .

جهاز امن الدولة الألماني الشرقي ويعرف باشتازي .. وقد أصبح وزارة فيما بعد .. اسس رسميا في يوم 8 فبراير 1950 بواسطة المستر / فولكسكامبر .. وهو نسخة رسمية من جهاز امن التنظيم الشيوعي السري .
كان جهازا يخشاه الناس لانتشاره الواسع ( محليا واقليميا ودوليا) ودقة معلوماته ومفاجأة الخصوم وسرعة اعتقالهم .. وعزمه في تقديم المتهمين الى المحاكم ولو كانت عقوبتهم الإعدام .
بعد انقلاب مايو الشيوعي في 25 مايو 1969 أصبح تدريب ضباط جهاز الامن العام في برلين الشرقية .. ومن أبرز الضباط الشيوعيين الذين الحقوا بالأمن العام : محمد أحمد سليمان رئيس جهاز أمن الحزب الشيوعي عضو اللجنة المركزية .. عبد الباسط سبدرات .. سمير جرجس ( قبطي ) .. وكان لجهاز أمن المانيا الشرقية مستشارين في السودان .. وانتهى التعاون بين الجهازين في جميع المجالات عقب فشل الانقلاب الشيوعي في 22 يوليو 1971 .

في العام 1975 ساءت الحالة الاقتصادية للشعب الألماني الشرقي وفكر معظمهم في الهرب لألمانيا الغربية .. فاذعنت القيادة السياسية لرغبات العالم الغربي في الانضمام إليه والاعتراف الأممي بالدولة المعزولة دوليا .. بعد عامين حدث كل ذلك وانضمت برلين الشرقية لمنظومة الامن الأوربي .. فكان لابد من إحداث نقلة في منهجية الجهاز تكسبه قدرا من الأخلاقية واحترام حقوق الإنسان انسجاما مع مؤسسات الامن الأوروبي .

قدم وزير الامن ايريش ميلكه كتيبا يحدد منهجية العمل الجديدة .. رمزه 76/1 .. يقوم على فكرة التحلل اوالتحليل النفسي للخصوم لينتهي بهم الامر للانتحار اوالمرض او وقف النشاط دون ان يظهر دورا للجهاز انما يظل ينفذ ويتابع ويرصد خلف ستار .

كان الشخص المستهدف يجد نفسه في سلسلة لا نهائية من المشاكل والاخفاقات والفضائح في بيته ومعبده ومكتبه وفي الطريق والمواصلات وكل مكان يرتاده.. كان يلعن حظه العاثر وقدره في الحياة .. إلى ان يتحلل نفسيا وينتهي به الأمر كيفما شاءت الأقدار .

بالتقصي والمتابعة اتضح أن فكرة التحلل قديمة وقد وجدت مع اول تنظيم شيوعي مطلع القرن العشرين .. وهي مستمدة من تنظيم الماسونية العالمي .. وكانت التنظيمات الشيوعية المنتشرة في العالم تطبق ذات النظرية على الناشطين من خصومها والمتفلتة من عضويتها .. فما جاء به ايريش ميلكه لم يكن بالأمر الجديد .

كنت قلقا مرتابا في انضمام قيادات شيوعية للحركة الإسلامية التي ناصرتها دون تنظيم .. فأنا من بيت مسلم .

كنت اباغت بالحديث أحد قرابتي وهو عضو باللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعلى درجة عالية من العلم والثقافة والدراية فسالته : لماذا لم تنضم للحركة الإسلامية لتلقى ربك مؤمنا مثلما انضم فلان وفلان من القيادات الشيوعية .. كان يلتفت الي بعينان وابتسامة تقولان الكثير .. ففهمت ان ذلك الانضمام مخطط ومدبر بليل لتخريب الحركة الإسلامية .. حينها خشيت أن تنتقل الأفكار الشيوعية إلى التنظيم الإسلامي .

ذات مساء قصدت منزل د. ترابي شاكيا من سلوك أحد القادة الإسلاميين .. سلمت على الحرس الخاص به وطلبت مقابلة الشيخ .. اجلسني لوحدي في الصالون وغاب لدقائق وعاد وخلفه الشيخ .. نهضت محييا ثم جلس وجلست فقال لي : ماذا لديك ؟. .. قلت : ان القيادي فلان وهو أستاذ جامعي كبير يستدعي طالبات غافلات إلى مسكنه في غياب زوجته ويتصرف معهن تصرف المراهق من على شرفة منزله فيمتعض الجيران .. وأضفت بأن معلوماتي تؤكد علاقته بجهة استخبارية اجنبية .

فجأة تغير لون الشيخ واحمرت عيناه وقال لي : لماذا لم تقبضوا عليه وتسلموه للشرطة ؟ .. فأجبته ان الجنايات ليست ضمن اختصاصي وبإمكانك استدعاء مدير المباحث وتكليفه .

صمت لبرهة ووصل إبهام يده الأيمن بالايسر والسبابة بالسبابة فارتسمت دائرة بين كفيه .. وقال لي منفعلا بالإنجليزية : ساحاصره من جميع الوجوه .

تذكرت هذا اللقاء وأنا أكتب عن فكرة التحلل والتحليل الأمني التي تتحقق بإحكام الحصار على الهدف .. تيقنت أن قادة الشيوعي الذين انضموا لحركة الإخوان فعلوا بها الافاعيل ونخروها مثلما فعلت دابة الأرض بمنساة سليمان .

اللهم نسألك رشدا وسلاما وأمنا وعافية وسعادة في الدارين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق