مدونة الدكتور طارق محمد عمرأعمدة ومقالات

مدونة الدكتور طارق : راشد / مابين صرخة الميلاد وهتاف المشنقة

دكتور طارق محمد عمر :

راشد هو الاسم الحركي للزعيم الشيوعي الراحل / عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني .

ولد عبد الخالق بمدينة ام درمان يوم 22/9/1927 من أسرة تنتمي لقبيلة الشايقية شمالي السودان .
درس مراحله الأولية بأم درمان .. فمن مدرسة الهداية الأولية إلى الاميرية المتوسطة ومنها إلى وادي سيدنا العليا .. التحق بكلية غردون وفصل منها لأسباب سياسية بعد عامين .. هرب إلى مصر والتحق بكلية فؤاد الأول قسم الآداب .. وفي سنته الثالثة تعرف على أعضاء من تنظيم الحزب الشيوعي المصري المعروف اختصارا ب ( حدتو) .. والتقى بالشيوعي اليهودي الفرنسي الأصل المصري الجنسية / هنري كورييل المولود سنة 1914 .
كان لهنري عظيم الأثر في إعداد وتأهيل عبد الخالق ورفاقه السودانيين .. أحمد سليمان وفاروق ابو عيسى والتجاني الطيب .. فاتخذوه قدوة واسوة .
كان من يجند من السودانيين يضم للتنظيم المصري لأغراض التدريب والتأهيل .. فاعتقل عبد الخالق في معية شيوعيبن مصريين وسجن في عهد الملك فاروق .. وأفرج عنه في العام 1946 وأبعد للسودان .
بدأ في تنشيط خلايا الحزب الشيوعي السوداني ( حسدتو ) الذي كان معروفا بالجبهة المعادية للاستعمار .. وحينها دار لقط بين أعضاء الحزب واتهام لعبد الخالق بتدبير أبعاد السكرتير المنتخب / عوض عبد الرازق ومحاربته معنويا حتى بات اسم عوض يستخدم كلفظ مسييء .. اصبح عبد الخالق سكرتيرا عاما مكلفا وانتخب رسميا في العام 1952 وظل في المنصب حتى اعدامه في العام 1971 .
نتيجة للنشاط المفرط للحزب سرا وجهرا جرى اعتقاله في العام 1959 ابان حكم الفريق عبود وقال للمحقق : انا ملتزم بما أؤمن به من فكر ومبادئ ولا أخفي الحقائق وأقول للاعور أعور في عينه .. ثم اعتقل مرات اخرى ونفي الى الجنوب ضمن قيادات سياسية معارضة .
كان الحزب قد عاني من الحملات الأمنية التي خطط لها اللواء / ابراهيم حسن خليل الذي كان شيوعيا في صباه ثم اهتدى وانكب على دراسة القرآن والفقه المالكي .. واطلقوا عليه لقب ابراهيم بابيونة نسبة لربطة العنق التي يستخدمها .. وذات مرة خططوا لقتله ليلا فاصابوه بحديدة على رأسه تسببت له في جرح بليغ ونزف .. ولاذ الجناة بالفرار .
حدثت مغازلة ثم هدنة بين نظام عبود والحزب الشيوعي فعين عددا من الرفاق في مجلسه التشريعي وبعض المواقع الوزارية .. ولما حدثت ثورة أكتوبر تسيدها الحزب بغير وجه حق وأجلس الرفاق على معظم كراسي مجلس الوزراء الانتقالي .. وأقصى الأحزاب الكبيرة التي شاركت في الثورة فغضبت عليه .
أكملت المخابرات المركزية الأمريكية تجنيد وتدريب عضو باللجنة المركزية للحزب وارتقت به من جاسوس إلى عميل فاستطاع تملك قلب وعقل عبد الخالق فعده صديقا حميما ورفيقا وفيا .. وعلى الرغم من تنبيه عدد من أعضاء قيادة الحزب لعبد الخالق بأن المذكور جاسوس ومتزوج من اجنبية تعمل في السفارة الأمريكية إلا انه لم يعر حديثهم ونصائحهم قدر من الأهمية وازداد تعلقا به .
لكن تجاوزه في تدبير انقلاب 25 مايو 1969 مما أثار حنق المخابرات الامريكية وعزمت على الانتقام من عبد الخالق ورفاقه .. وسرعان ما اقنع ذلك العميل عبد الخالق بان نميري والضباط القوميين ماهم الا برجوازية صغيرة ومشروع دكتاتورية على نسق الثورة التاصرية في مصر .. فاعلن عبد الخالق تخليه عن ثورة مايو وانشق الحزب بين مجموعة عبد الخالق المعارضة وأحمد سليمان المناصرة .. وبدأ كل طرف يكيد الآخر .
تقارير أمنية تواترت للرئيس نميري أفادت بأن ما يدور في اجتماعات مجلس قيادة الثورة يصل لعبد الخالق محجوب ونوابه من قادة الحزب .. فأصدر أمرا بنفي عبد الخالق إلى مصر وفصل الضباط الشيوعيين من المجلس وهم بابكر النور وفاروق حمد الله وهاشم العطا .
وصل عبد الخالق إلى مصر معدما واتصل بكادر شيوعي سوداني مقيم في القاهرة فاستضافه في شقة لأحد اقاربه من كبار التجار .. وباسم مستعار .. يقول هذا التاجر رحبت بالضيف مثل اي سوداني اخر ولاحظت انه قليل الكلام ويطلع على الصحف والمجلات بنهم .. يصلي بانتظام وكلما صحوت ليلا أسمعه يتلو من مصحف احضره معه .. قال : مكث معي نحو ثلاثة ايام فحضر قريبي وشكرني واصطحبه إلى جهة لم أعلمها .. ولما أعدم ورأيت صوره في الصحف فلم تقو رجلاي على حملي من شدة المفاجأة .. فاتصلت بقريبي فأكد لي ان الضيف هو الراحل/ عبد الخالق محجوب .
بعد ثلاثة أشهر من إقامة عبد الخالق في مصر طلب الرئيس / جمال عبد الناصر من النميري العفو عنه والسماح له بالعودة إلى وطنه ليمارس حياته الطبيعية فاستجاب لرجائه .
عاد عبد الخالق وواصل نشاطه التنظيمي والكيد لثورة مايو فاعتقل ثم أطلق سراحه .. وعاد ثانية لما هو عليه فاعتقل واودع السجن الحربي بام درمان ثم حول لمعتقل بسلاح المدرعات بحي الشجرة الخرطوم .
استخبارات الحزب الشيوعي استطاعت تجنيد صف ضابط من المكلفين بحراسة عبد الخالق ووضعت خطة لتهريبه وتبادلت عبره المعلومات .
وضعت خطة محكمة نفذت بدقة .. تم إدخال زي عسكري لغرفة المعتقل عبد الخالق ليرتديه لحظة الصفر وجهزت سيارة ليقودها بنفسه إلى مكان يختبئ فيه .. في اليوم المحدد توقفت السيارة خارج مباني المدرعات وبعد أخذ تمام المساء ارتدى عبد الخالق الملابس العسكرية وخرج دون ان يلفت ذلك انتباه الحرس ومشى مسافة حتى وصل السيارة وانطلق بها نحو السفارة البلغارية وفقا للخطة .. كان ذلك يوم 29/6/1971 .. تم اكتشاف هروبه في اليوم التالي وتوصلت الاستخبارات العسكري للمتهم فقدم لمحاكمة عسكرية قضت عليه بالسجن عدة سنوات .
مستر / ملت القائم بأعمال السفارة البريطانية في الخرطوم كتب خطابا لوزير خارجية بلاده بتاريخ 8/7/1971 أشار فيه إلى هروب عبد الخالق من معسكر الشجرة وانه يرجح وجوده داخل السفارة البلغارية او السوفيتية .
بدأ عبد الخالق اتصالاته بالتنظيم والضباط لتنفيذ انقلاب 19 يوليو 1971 فوقع الانقلاب وكان خالد حسن عباس وزير الدفاع في مصر وحاول الاتصال بقادة الجيش إلا انه فوجيء بقطع الاتصالات الهاتفية بواسطة الانقلابيين . فاتصل بمساعدة القيادة المصرية عبر إذاعة الوحدة العربية ومقرها جبل أولياء فحثهم على التحرك لإخماد الانقلاب واعتقال المنفذين والمشاركين من المدنيين . . وقد كان.. وتم اغتيال نفر من الضباط الموالين للرئيس نميري بدم بارد في قصر الضيافة .. ومنهم محمد الشقيق الأصغر لخالد حسن عباس .
قام العميد / ابوشيبة قائد سلاح الحرس الجمهوري بإخفاء عبد الخالق في غرفة ملحقة بمكتبه المجاور لمكتب الرئيس نميري في القصر الجمهوري .. ومنها أوصله إلى ام درمان ليختفي في منزل آل الكد بابوروف وبعد سبعة ايام من فشل الانقلاب توصل الامن لمكان عبد الخالق واعتقله وفيده بالسلاسل وكان يرتدي جلابية وينتعل سفنحة .. ومن رئاسة الأمن إلى قيادة الجيش ومنها إلى معتقل الشجرة .. هرع إليه النميري وخالد حسن عباس ود. منصور خالد وزير الشباب .. طلب عبد الخالق ماء فقدمها له د. منصور الا أن النميري ركل منه الإناء ولما أشعل له منصور سيجارة ووضعها في فمه رماها منه خالد حسن وعباس وقال له : يا عاطل .. وكانت تلك اساءة بالغة .. يذكر ان عبد الخالق كان متفرغا للحزب ويتقاضى منه راتبا شهريا .. كذلك خصص له الحزب سيارة فولوكسواجن جديدة .
وفي توثيقي للمحامي الراحل أحمد سليمان أحد أبرز قيادات الحزب الشيوعي افادني بأن عبد الخالق كان مفلسا وانه كان يشتري له العشاء والمشروب الروحي من جيبه الخاص .
تم الحكم على عبد الخالق بالإعدام بواسطة محكمة عسكرية وقد جرى اتصال بين الرئيس المصري السادات والنميري حث فيه الأخير بالتخلص من عبد الخالق .. وبالفعل صادق النميري على حكم الإعدام ورحل المحكوم عبد الخالق إلى سجن كوبر .. وقبيل التنفيذ التقي د. ترابي الذي كان في المعتقل فطلب منه الترابي التشهد حتى يلقى الله مسلما فرد عليه : بلاش رجعية .. وعندما استدعي للتنفيذ كان ثابتا ومشى نحو المشنقة وهو يهتف عاش كفاح الشعب السوداني يسقط الاستعمار تسقط الرجعية .. ورفض ان يغطى وجهه واهدى اصغر العساكر سنا ساعة يده واوصى بتوصيل رسالة الى زوجته وأطفاله تقول : حكمت بالاعدام وسينفذ اليوم .. السيارة ملك الحزب تعود له .. ارجو الاطمئنان ستكونون بخير .. وفي لحظات فارق الحياة عن عمر بلغ 42 سنة .
قال بعض من رصفائه في اللجنة المركزية انه كان عنيدا ولايزعن للنصح ويحب أن يظهر بأكبر من حجمه .
كان طلاب الكلية الحربية التابعين للحزب الشيوعي يزورون عبد الخالق في منزله كل يوم خميس قبل ان يذهبوا إلى ذويهم .
تحليل :
1/ عبد الخالق كان شجاعا ومؤمنا بالاشتراكية وبعض الشيوعية ولايعد ملحدا فكثيرا ماردد انه ليس ضد الدين الاسلامي .. كما انه ثبت في حقه الصلاة وتلاوة القران .
2/ بحكم سن الشباب كان مندفعا ومغامرا ولايكترث للعواقب .. خاصة وأن قدوته كورييل قتل رميا بالرصاص في باريس .
3/ تقافته الامنية محدودة وقد تجلى ذلك في عدم اقتناعه بجاسوسية رفيقه في اللجنة المركزية رغم التقارير والملاحظات والنصائح .. وعدم عودته للسفارة البلغارية او الروسية بعد فشل انقلاب هاشم العطا .. واختياره منزل أسرة في ابوروف ليختفي فيه وفي هذا الحي مدير الامن اللواء / عبد الوهاب ابراهيم
سليمان وغريمه المحامي أحمد سليمان .
4/ كان عبد الخالق عنيدا وهذا يعود لصغر سنه ومحدودية تعليمه وتجاربه .
5/ كان عبد الخالق شخصية انقلابية لاقتناعه بعدم إمكانية حكم حزبه للبلاد ديمقراطيا .. فالسودان دولة إسلامية منذ منذ أكثر من 1300 عام .
تلك محاولة توثيقية أولى للراحل عبد الخالق محجوب .
غفر الله له وعده من
المسلمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق