مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : الرائد مأمون / في حكاياتنا مايو

السبت 23 مايو 2020

دكتور / طارق محمد عمر
في العام 1938 ولد مامون عوض ابوزيد في حي المسالمة بأم درمان حيث منزلهم بشارع نجيب .. وتنحدر اسرته من مدينة المتمة غرب شندي .
عاش في بيئة تعكس أرقى أنواع التعايش الديني والأدب والثقافة والفن والرياضة والتجارة .. فنشا محبا للإطلاع والمعرفة والتواصل المجتمعي .. تعلق قلبه بالثورة المصرية 1952 مثل أبناء جيله وهو اذ ذاك صبيا ابن 14 ربيعا .
التحق مامون بالكلية الحربية ضمن طلاب الدفعة 13 وتخرج برتبة الملازم ثاني والحق بادارة الاستخبارات العسكرية وتلقى دورات تدريبية استخبارية أساسية ثم ابتعث الى بريطانيا لاغراض التدريب المتقدم .. ثم خضع لدورات تدريبية أخرى بخبرات بريطانية والمانية وأمريكية داخل السودان .
تنقل بين أقسام الاستخبارات العسكرية وانضم لتنظيم الضباط الأحرار المكون من العقيد / جعفر نميري والرواد / ابو القاسم هاشم .. وابوالقاسم محمد ابراهيم .. وخالد حسن عباس .. وزين العايدبدين محمد أحمد عبد القادر وهؤلاء ينتمون للفكر الناصري وقدوتهم الرئيس المصري / جمال عبد الناصر .. ومن خلايا الشيوعيين .. بابكر النور وفاروق حمد الله وهاشم العطا وابوشيبة وآخرين .
يقول الرائد مأمون :اخترنا العقيد نميري قائدا لانقلاب 25 مايو 1969 لأنه شجاع ووطني ومحبوب في الجيش وشارك في أكثر من انقلاب .
تمت ترتيبات قبل الانقلاب بعدة أشهر داخل ادارة الاستخبارات العسكرية ومنها تعيين الرائد مأمون مديرا لمكتب قائد الاستخبارات العميد / تاج السر المقبول وعلى الرغم من حميمية علاقته بالنميري إلا انه لم يكن مطلعا على المخطط الانقلابي .. وكانت مهمة مامون حجب أية معلومات تتعلق بالانقلاب عن مدير الاستخبارات .. وكان الرائد/ كمال ابشر المسؤول عن متابعة التحركات الانقلابية قد غادر السودان للعلاج مما سهل من مهمة مأمون ( هذه السفرية أرجح انها رتبت بواسطة الاستخبارات العسكرية المصرية الضالعة في الانقلاب .. فهذا ديدنها في عدة انقلابات شهدها السودان ).
وصلت معلومات من جهاز الامن العام قبيل وقوع انقلاب مايو للسيد / محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان تفيد بوجود تحركات مريبة داخل الجيش يستشف منها وجود مخطط انقلابي .. على الفور خاطب المحجوب قائد الجيش مستفسرا عن صحة المعلومات .. قائد الجيش خاطب مدير الاستخبارات مستعلما .. فتح الرائد/ مامون ظرف الخطاب واطلع على فحواه وانتهز سانحة عدم وجود مدير الاستخبارات بمكتبه فرد على الخطاب نافيا وجود أية معلومات انقلابية .. مؤكدا هدوء الأوضاع داخل الجيش وأنها تحت السيطرة .. قائد الجيش خاطب المحجوب فاطمأن .
يوم 24 مايو 1969 كان النميري في حي الموردة الام درماني .. بمنزل محمد احمد عبد الحليل الملقب بحقي .. وضع النميري مفتاح سيارة حقي في جيبه واستاذن الحضور للخروج في مشوار قصير والعودة ثانية .. قاد سيارة حقي واوقفها خارج القيادة العامة ودلف راجلا عبر بوابتها مستكشفا الأحوال .. ومن ثم غادر إلى منزله ليجد الرائد/ مامون في انتظاره حسبما خطط له سابقا .. ومن هناك انطلقا إلى منطقة خور عمر العسكرية حيث ترابط عدد من الدبابات تحت غطاء مشروع تدريبي .. وكان هناك من ضباط الانقلاب كل من خالد حسن عباس وابوالقاسم محمد ابراهيم وزين العايدبدين محمد أحمد عبد القادر واخرين .. في الساعات الأولى من صبيحة يوم 25 مايو تحركت الدبابات لاحتلال المواقع العسكرية والجسور واذاعة ام درمان.. بينما توجهت دبابة إلى مباني القيادة العامة كانت تحمل في جوفها العقيد / جعفر محمد نميري والرائد مامون عوض ابوزيد وهو اذ ذاك ابن 29 عاما .. أختار المجازفة بحياته بينما ركن الأقران لمتع الحياة ومباهجها من زواج وسكن ومال وترفيه .
اقتحمت الدبابة مباني القيادة عنوة ولحقت بها قوات إضافية للسيطرة والتامين .. ومن ثم اذاع النميري بيانه الاول . خرجت جموع الشيوعيين مرحبة بالانقلاب .. رافعة الرايات الحمر .. رغم تردد قيادة الحزب والكوادر العسكرية الشيوعية ومطالبتها بتأخير ساعة الصفر .. كان مامون اول الرافضين لفكرة التأجيل .
عين الرائد / مأمون عضوا بالمجلس العسكري لقيادة ثورة مايو وكان الأصغر سنا من بين الأعضاء .. وكلف بتكوين حهاز جديد للامن والمخابرات تحت اسم جهاز الامن القومي .
سعدت بمقابلة الرائد مأمون عدة مرات لأغراض التوثيق ابتداء من العام 1997 حيث كان يقيم في شقة بالعمارة الكويتية شارع النيل .
قال لي : بعد ان كلفت بتكوين الجهاز سافرت إلى مصر والتقيت اللواء / سامي شرف مدير ومؤسس المخابرات العامة المصرية فشرح لي المهام والاختصاصات والهياكل ووافق على تدريب 15 ضابطا من الجيش السوداني على أعمال المخابرات .. وكانت تلك اول دفعة تتبع للجهاز الوليد تتلقى تدريبا في مصر .
وأضاف ثم استوعبتا عددا من المعلمين والإداريين وابتعثناهم إلى موسكو للتدريب ( هذه المجموعة ضمت شيوعيين وناصريين وبعض المستقلين ) .
اكتشف مامون تسريب الضباط الشيوعيين في المجلس العسكري اسرار الاجتماعات للحزب الشيوعي وتم تعضيد ذلك بتقارير امنية مستقلة ..
على الفور قام الرئيس نميري بفصل الضباط الشيوعيين من المجلس .. ابرزهم بابكر النور وفاروق حمد الله فغضب الحزب جناح عبد الخالق .
اكتشف مامون ومدير مكتبه النقيب / أبوبكر حسن بشارة أن أحد مستشاري المخابرات السوفيتية الذين الحقوا مستشارين بالجهاز يجيد اللغة العربية كتابة ولفظا وأنه يطلع على تقارير الجهاز الصاعدة والهابطة الشيء الذي ازعج مامون كثيرا .
عند وقوع انقلاب الحزب الشيوعي بقيادة الضابط هاشم العطا في 19 يوليو 1971 تم اعتقال النميري وأعضاء مجلس الثورة وحجزوا في القصر الجمهوري وكان من بينهم الرائد / مأمون الذي اعتقل من منزله الكائن غرب القيادة العامة بواسطة ملازم شيوعي يدعى / مدني علي مدني مالك .. من أبناء الشمالية قرية امبكول وقد حكم بالسجن بعد فشل الانقلاب لصغر سنه .
تصرفات الشيوعيين والمستشارين السوفييت تجاه ثورة مايو دفعت الرائد مأمون للاتصال بمندوب المخابرات الامريكية الذي تعرف عليه منذ أن كان ضابطا بالاستخبارات ومديرا لمكتب قائدها .. حيث كان الأمريكي يتردد على المكتب لأغراض تبادل المعلومات والتنسيق .
وجه مامون مدير مكتبه أبوبكر حسن بشارة بالاتصال بالضابط الأمريكي لاجل تبادل المعلومات بين الحهازين وسلمه شفرة لفتح باب مكتبه الخارجي .. وتواصلت عمليات التبادل دون علم الشيوعيين .. وحدث أن اصطحب أبوبكر بسيارته المندوب الأمريكي لمقابلة مامون في مكتبه أكثر من مرة .
نفى أبوبكر ضلوع مامون في تصفية الصحفي / محمد مكي صاحب جريدة الناس .. التي اتهم فيها الحزب الشيوعي ومنظمة التحرير الفلسطينية لكنه اكد علمه بتفاصيل الحادث التي امتدت من بيروت وحتى الخرطوم .
بعد فشل انقلاب هاشم العطا عاد من مصر وزير الدفاع خالد حسن عباس فاعفاه النميري من منصبه بحجة التقصير في كشف واحتواء مخطط الانقلاب الشيوعي قبل تنفيذه .. غضب مامون من القرار وذهب الى القصر الجمهوري ولام النميري على قرار اعفاء خالد الذي تجمعه به صداقة وصلة قربى .. وقال للنميري كنت تستشيرنا في كل كبيرة وصغيرة والآن أصبحت تنفرد بإصدار القرارت .. وتقدم باستقالته فقبلها النميري في لحظتها .. ولما كان مامون عزيزا على النميري اتصل به وعينه وزيرا للحكم المحلي وامينا عاما للاتحاد الاشتراكي .. ثم وزيرا للطاقة والتعدين فالداخلية .. ثم اعفي من مناصبه قبل سنة من الانتفاضة التي أطاحت بمايو فحوكم ورفاقه بالسجن المؤبد .. لتخرجهم من السجن ثورة الإنقاذ 1989.. وقد خصصت لهم معاشات شهرية استثنائية كما خصص لهم الشيخ / زايد بن سلطان مرتبات شهرية مجزية ردا لجميل صنيعهم في تأسيس دولته من جميع الوجوه .
انتقل مامون إلى الرفيق الأعلى يوم 7 نوفمبر 2010 ووري الثرى بمقابر البكري بأم درمان وقد شيع في موكب مهيب .. مشى فيه قادة الأمن والجيش والشرطة والسياسة والفكر والثقافة ونفر من ضيوف البلاد .
رحم الله الرائد / مأمون عوض أبوزيد ورفاق دربه .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق