أعمدة ومقالاتمدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : هاشم اباسعيد / حبر المخابرات

الجمعة 29 مايو 2020

الدكتور / طارق محمد عمر
كلمة حبر مستمدة من الحبر ( المداد الذي يكتب به ) .. قيل : كعب الحبر لكثرة كتابته بالحبر .. وا لحبر هو العالم .
ولد اللواء ” هاشم اباسعيد الحاج بمدينة سنار بتاريخ 17 أبريل 1944 حيث كان يعمل والده بمصلحة السكة الحديد .. وترجع أصوله إلى قبيلة الحعليين .
درس المرحلة الابتدائية بمدرسة شندي الشمالية والوسطى بالريفية شندي.. في هذه المرحلة بدأ التنظيم الشيوعي في استقطابه ضمن تلاميذ آخرين .. وكان مجتمع السكة الحديد يموج بالتشاط الشيوعي .
التحق هاشم بمدرسة بورتسودان الحكومية الثانوية العليا وفيها تشرب بالفكر الماركسي وضمه الحزب لنسقه الأمني ذلك في سنة 1961 .. وكان قلم المخابرات الشيوعي وقتذاك تحت إشراف الرفيق / محمد أحمد سليمان .
.
جلس الطالب/ هاشم لامتحان الشهادة في العام 1964وقبل بقسم الرياضيات في معهد المعلمين العالي ( كلية التربية جامعة الخرطوم حاليا ) .. حينها ازداد ثقافة ونشاطا أمنيا لصالح الحزب .. وتخرج في العام 1969 .. وقد تعرف على زميلته بالمعهد الاستاذة / زينب الطيار وتزوجها فيما بعد .. فانحبت له ثلة من البنات النابهات في مختلف التخصصات .
يوم 25 مايو 1969 شهد السودان انقلابا عسكريا بقيادة العقيد / جعفر محمد نميري وباشراف ومساندة شيوعية .. ولما وقع الاختلاف والشقاق في صف الحزب بين مؤيد للثورة ورافض .. لم يختر هاشم المجموعة المعارضة بقيادة عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب .. إنما انضم لمجموعة معاوية ابراهيم سورج أمين سر الحزب الشيوعي التي اختارت تأييد النظام والانخراط في صفوفه .
وكان اختيار هاشم لموقفه هذا اسباب عدة .. منها ان جل عضوية المكاتب الأمنية أيدت الثورة يتقدمهم محمد أحمد سليمان وسمير جرجس وعبد الباسط سبدرات الذين التحقوا بجهاز الامن العام .. ثم لصلة القربى التي جمعت عائلة هاشم باسرة الرائد / مامون عوض ابوزيد الذي كان صديقا لشقيقه الأكبر .. كذلك لوجود قربى مع أسرة المقدم خالد حسن عباس .
ذفعت مجموعة معاوية سورج بهاشم وآخرين للانضمام لجهاز الامن القومي الوليد .. ذلك في العام 1970 وتسمى بدفعة الجامعيين لأن الأولى كانت من العسكريين .. امضى هاشم ودفعته فترة تدريبية بالكلية الحربية السودانية وتخرج برتبة نقيب .. غادر ضمن دفعته للتدريب في موسكو على يد المخابرات السوفيتية .. قال لي : لم نجد الإستقبال الذي كنا نتوقع من الضباط السوفييت .. فمن الطائرة تم نقلنا إلى مكان لم نتبين معالمه ووضعنا داخل حاويات كبيرة مجهزة .. محروسة بكلاب شرطية ضخمة لا تسمح لنا بالخروج .. فيها تتدرب وتأكل ونشرب وننام .. وتركزت التدريبات على اختصاص ومهام المخابرات الخارجية ومكافحة الجاسوسية والعلوم السياسية .. بعدها نقلنا إلى باب الطائرة التي اقلتنا إلى الخرطوم .. وبعد سنوات التقى الضابط هاشم بعنصر من المخابرات السوفيتية ولامه على تلك المعاملة فقال له : نحن قصدنا ذلك لأن من بينكم ضباطا غير شيوعيين نخشى منهم على أمننا القومي .
ثم تلقى دورات تدريبية متقدمة في مصر وإيران .. وأخرى على يد خبراء من الجهازين الأمريكي والبريطاني .
في الفترة من 1971 — 1973 عمل قنصلا عاما لجمهورية السودان بسفارتنا في العاصمة البريطانية لندن .. ولخلفيته الشيوعية فرضت عليه مراقبة لصيقة من قبل إدارة مكافحة الجاسوسية في المخابرات البريطانية .. قال لي : عندما أكون في مطعم أنظر لاحذية الموجودين فإن كان من بينها ( حذاء نصف رباط ) أرجح ان صاحبه من المخابرات .. ذلك ان المخابرات البريطانية تعين ضباطها من أبناء اللوردات .. وهم علية القوم وأهل هندام وتانق .
لأدائه المتميز تعرف عليه الرئيس نميري ( وهو أمر مألوف في عالم المخابرات حيث تقرب قيادة البلاد والحزب بعض الضباط االمتميزين اعحابا ) .. وفي إحدى زياراته لبريطانيا دعا هاشم لحفل عشاء استمر حتى الساعات الأولى من الصباح وقال له : سأكون بمكتبك بالسفارة عند التاسعة صباحا .. حضر نميري في الموعد ولم يحضر هاشم الذي استغرق في النوم .. وعندما استيقظ هب مسرعا الى مكتبه متأخرا لأكثر من ساعة .. قال لي : نبهني الحرس إلى وجود الرئيس في المكتب فسرت متخفيا وتأكدت من وجوده وخشيت العواقب .. فسافرت من فوري الى نايروبي ولم اعد الا بعد عفوه عني .
عمل هاشم مديرا للفرع الإفريقي ثم الفرع الجنوبي ثم القبلي والديني فمديرا لإدارة الإقليم الجنوبي خلفا للعقيد حينها محمد عبد العزيز .. واصبحت مذكرة التسليم والتسلم بينهما مرجعا يدرس في معهد الأمن السوداتي .
بعد تفجر ثورة الإمام الخميني في إيران عام 1979 عين المقدم / هاشم اباسعيد قنصلا ( سريا ) غير مقيم في طهران .. ذلك دون علم المخابرات الإيرانية لأجل الوقوف على حقيقة الثورة .. وعلى الرقم من دخوله المتكرر إلى طهران إلا ان أحدا لم يكشف أمره .
في الفترة من العام 1978 — 1982 عمل قنصلا لجمهورية السودان لدى دولة الإمارات وكان هاشم قد شارك ضمن آخرين في تكوين جهاز مخابرات الإمارات .
كان لحادث نجاة الرئيس نميري ومسؤولين آخرين من حادث احتراق ماكينة الطائرة المقلة لهم في سماء مدينة كركوج .. الأثر البالغ في تحول هاشم للتصوف .. ذلك ان كابتن الطائرة الانجليزي الذي استطاع الهبوط بها بعد ان خمدت نيران المحرك أفاد بأن الشيخ الذي أمامه ( شيخ كركوج ) قد صعد إلى الطائرة واطفأ النيران بيده .. فاعتنق الإسلام من فوره .. حينها اصبح العقيد / هاشم مديرا لفرع المخابرات الخارحية بادارة الامن الخارحي التي كانت تحت قيادة اللواء / عثمان السيد .. وقد قال عنه : هاشم كان أفضل ضباط الأمن القومي وآمن الدولة على الإطلاق .. تميز بالذكاء وجودة التحليل والتقييم وحب الاطلاع .. كان يصلي العشاء بمسجد الشيخ البشير يشمبات ويعود إلى المكتب مواصلا عمله حتى الواحدة صباحا .
بعد الإطاحة بنظام النميري وثبوت براءته غادر إلى دولة قطر وعمل كبيرا لمستشاري جهازها الأمني .. يقول : وفقني الله في تأسيس جهازين أمنيين لقطر .
1989 استولت الحركة الإسلامية على مقاليد الأمور في السودان اثر انقلاب عسكري .. بدأ د. نافع على نافع مدير الجهاز في البحث عن كفاءات وخبرات من بين ضباط جهاز امن الدولة فقبل البعض واعتذر البعض الآخر .. ثم اهتدى لهاشم اباسعيد المقيم في قطر واقنعه بالعودة .. واسند اليه مهمة إدارة الامن الخارجي ذلك في العام 1991 .. ومن ضمن إنجازاته كسر الحصار الاقتصادي والعسكري الذي ضرب على البلاد .. والتوسع في فتح محطات خارجية .. والدخول في اتفاقيات متعددة الجوانب مع مخابرات الدول الأخرى .. وتدريب وصقل الضباط اداريا وامنيا .. وضبط الوجود الاجنبي والمنظمات الأجنبية .. وكشف شبكات تجسسية .. حتى ان اذاعة لندن قالت : إن جهاز مخابرات السودان يعد الاكفا من بين اجهزة امن الشرق الاوسط .. واستمر في تطوير الحهاز حتى تاريخ اقالته في العام 1995 .
لقد تسبب في اقالته ضابطان منتميان للتيار الإسلامي والإسلام منهما براء .. وشيا به لدى المدير د. نافع زاعمين بأنه من سرب للفرنسيين معلومة وجود كارلوس في السودان .. ودون تثبت او سماع أقوال هاشم أصدر أمرا باقالته .
يذكر ان كارلوس كان تحت مراقبة إدارة العمليات برئاسة صلاح قوش حتى تاريخ تسليمه للفرنسيين .. ولم يكن اباسعيد على علم بوجوده في الخرطوم .. إلا ان الحسد والطمع في الجلوس على الكراسي القيادية دون مؤهل هو الذي دفع الضابطين للوشاية .
انتقل اباسعيد إلى الرفيق الأعلى في العام 2007 بعد صبر طويل على المرض في العاصمة البريطانية لندن .. فهرعت الشرطة البريطانية وفي معيتها نفر من الطب الشرعي والجنائي وتبين لهم أن الوفاة طبيعية كيف لا ؟ والرجل يعد قيمة امنية عالمية .
شيع جثمانه الطاهر إلى مقابر فاروق بالخرطوم في موكب مهيب يحكي مكانة الرجل .
اللهم اجعل جنة الخلد ماواه ومتقلبه مع الصديقين والأنبياء والصالحين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق