أعمدة ومقالات

د. عصام بطران يكتب: “الفشقة” صراع الجغرافيا السياسية بين السودان واثيوبيا

استراتيجيات

د. عصام بطران

“الفشقة” صراع الجغرافيا السياسية بين السودان واثيوبيا !!

لعل كثير من المشكلات الحدودية ترتبط بعلاقة تاثير وتاثر بين الجغرافيا والسياسة بصفة عامة واحيانا تؤثر الجغرافيا الطبيعية وتتاثر ايضا بالعلاقات السياسية فالجغرافيا السياسية هي العلم الذي يبحث في تاثير الجغرافيا على السياسة اي الطريقة التي تؤثر بها المساحة والتضاريس والمناخ على احوال الدولة وسكانها وعلاقتها مع جيرانها وقد تمتد تلك العلاقة لتؤثر على الشان السياسي في الاقليم .. ويرى الخبراء الاستراتيجيين ان تفجر الخلافات الحدودية بين الدول لاينشط الا في حال نشاط الخلافات السياسية او ممارسة الضغوط السياسية على اصح تعبير .

مايدور الان بمنطقة “الفشقة” من تصعيد وصل الى حد المواجهة العسكرية ليس ببعيد عن تاثيرات السياسة على الجغرافيا اذ ظلت مناطق “الفشقات” الكبرى والصغرى والجنوبية “تيرمومتر” لقياس مستوى صفاء او توتر العلاقات السودانية الاثيوبية حيث انعكاسات توتر العلاقات السياسية بين البلدين تاريخيا يتارجح بين الخلافات الحدودية وايواء المعارضة والحركات المسلحة لصالح او ضد الطرفين .. اما صفاءها فينحصر بين التبادل الاقتصادي ومنابر الحوار السياسي في قضايا الحرب والسلام لصالح الطرفين .. وكما تعلب الجغرافيا دورا متعاظما في العلاقات الحدودية فانها تؤثر ايضا في علاقات الاقليم السياسية اذ ان الراهن السياسي الذي يفرض نفسه في علاقات اثيوبيا والسودان هو ملف سد النهضة بدون منازع .

“الفشقة” الكبرى هي جزء من ولاية القضارف ويشقها نهر “باسلام” الى جانب نهري “ستيت” و”عطبرة” وتوجد بها اراضي زراعية خصبة تصل مساحتها الى ٦٠٠ الف فدان وتمتد على طول الحدود السودانية مع اثيوبيا بمسافة ١٦٨ كيلومتر ويمثل تعرج نهر عطبرة في منحنيين في شكل “القوس” الاول مفتوح شرقا على جهة الحدود السودانية تجاه اثيوبيا وهي اراضي سودانية معترف بها من الجانبين .. والثاني الفشقة الصغرى عبارة عن قوس مفتوح غربا على جهة الحدود السودانية مع اثيوبيا وهي اراضي اثيوبية باعتراف الطرفين والمنطقتين من اكثر الاماكن خصوبة وتشكلان شبه جزيرة ضخمة من الاطماء نتيجة مياه الامطار الغزيرة التي تستمر لخمسة شهور متواصلة .

هناك اعتراف حكومي اثيوبي حول الحدود مع السودان وان الفشقة الكبرى اراضي سودانية ولكن الاشكالية الكبيرة ان هذه الاراضي يزرعها الاثيوبيين بالايجار من اصحابها بمبالغ مالية عالية جدا تزيد عن القيمة التي يمكن ان تنتجها المساحة المزروعة في حال زراعتها من اصحاب الاراضي وملاكها السودانيين الذين يحبسهم النهر من العبور اليها .. وهذا يعود الى انها اراضي خصبة وانتاجها عالي حيث تتواطأ السلطات الاثيوبية مع المزارعين الاثيوبيين المستاجرين للارض بدخول محصولاتهم بدون رسوم جمركية الى داخل الحدود الاثيوبية لان الاراضي اصلا تقع داخل الحاجز النهري الطبيعي الفاصل مع السودان داخل الاراضي الاثيوبية مما يسهل عليهم عملية ترحيل المنتجات الزراعية من غير عبور النهر خاصة ان المنطقة داخل عمق الاراضي الاثيوبية التي تعاني من الجفاف وعدم خصوبة وصلاحية الاراضي للزراعة .. ومثلث الفشقة بالنسبة للمزارعين الاثيوبيين مسالة وجود وحياة او موت لذلك تنتشر وتنشط فيها عصابات الشفتة وهي مليشيات خارجة عن القانون باعتراف السلطات الاثيوبية يدفع لهم المزارعين الاحباش “اتاوات” مالية للحد من حركة المزارعين السودانيين في المنطقة بتشجيع من الحكومة الاثيوبية لمنع اي محاولات لزراعة الاراضي داخل المثلث بواسطة اصحابها السودانيين .. هذا اضافة الى صعوبة تحركات المزارعين السودانيين اذ يمثل عبور النهر للضفة الاخرى عائقا لترحيل المحصولات في حال التفكير في دخولها الى اسواق القضارف وايضا لوعورة المسالك والطرق وارتفاع كلفة الانتاج مقارنة مع العائد المجزي من اجرة الاراضي للمزارعين الاثيوبين وعدم جدوى زراعتها بالنسبة لهم.

قبل اكتمال عمليات ملء خزانات سد النهضة ستكون المنطقة منطقة صراع ربما يتطور الى توتر في علاقات البلدين لان “الفشقة” محط أطماع اثيوبية اقتصادية وايضا تمثل لها ورقة ضغط على الحكومة السودانية لتجيير موقفها تجاه سد النهضة لصالح اثيوبيا .

حقيقة تمثل مناطق الفشقة خميرة عكننة في مسيرة العلاقات السودانية الاثيوبية وليس هنالك حلول غير تفعيل الاتفاق الذي تم التوصل اليه العام الماضي والذي نص على ضرورة انشاء مشاريع مشتركة بين الجانبين لتنمية وتطوير البنى التحتية باقامة جسرين عابرين للنهر في كل من الفشقة الكبرى والصغرى ومد الطرق الى داخل عمق الاراضي السودانية وربطها مع ولاية القضارف بجانب انشاء قرى نموذجية داخل المنطقة وتشجيع المواطنين على البقاء بها وتقنين وجود المزارعين الاثيوبيين المستاجرين لبعض الاراضي داخل الفشقة السودانية طالما ان هناك ميزة اقتصادية لعبت فيها الطبيعة الجغرافية دور رجح من الجدوى الاقتصادية لصالح الاثيوبيين من عائد الزراعة الايجارية داخل الحدود السودانية .. كما يعد توفير الامن للمزارعين من الدولتين ضرورة قصوى وذلك لا يتم الا عبر انشاء قوات مشتركة من الجيشين على نسق القوات السودانية التشادية المشتركة التي اسهمت بفعالية في استقرار الحدود .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق