أعمدة ومقالاتمدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : ضرب الأطباء / تشخيص الحالة

السبت 30 مايو 2020م

الدكتور / طارق محمد عمر

غادر المستعمر البريطاني أرض السودان تاركا خدمة صحية توأم لما هو كائن بانجلترا .
في كل مدينة مشفى رئيس ومركز صحي ( شفخانة ) لكل حي .
المشافي والمراكز تغسل يوميا عدة مرات بالماء والصابون وتعقم بالديتول .
الأثاث انجليزي الصنع .. انيق ومتين .. الملاءات وأكياس الوسائد نظيفة وبيضاء .. تغير مرتين في اليوم .
الاخصائي والنواب والمساعدين يمرون على العنابر في موكب مهيب مرتين في اليوم .
وجبات الطعام نظيفة وشهية وكافية مع كوب عصير عقب كل وجبة .. كوب حليب صباح ومساء .. مجانا .
مقابلة الطبيب والفحص والتشخيص والأدوية مجانا .
اذا تعذر نقل المريض الى النشفى يحضر له الأخصائي في المنزل ويشخص حالته ويكتب له روشة الدواء وكل هذا مجانا .
الإسعافات ممتازة وسريعة وقوية .. تصل للمريض حيثما كان وفي كل الظروف مجانا .
في الأيام الفائتة قرأت أخبارا عن اعتداءات بحق الأطباء والطيبات من قبل مواطنين مرافقين لمرضاهم وحسبت ان الأمر ربما كانت دوافعه سياسية .
أمس الأول عانت إنسانة عزيزة علي من بداية إجهاض جنين .. اتصلت هاتفيا ببروف / درية الريس أخصائية النساء والتوليد ( طبيبة عالمة وانسانة ) فاوصتني بنقل المريضة لمشفى حاج الصافي او حوادث بحري .. اصطحبت المريضة بسيارتي على عجل ودخلت مجمع النساء والتوليد بحاج الصافي فاعتذتر الطيبات بعدم حضور السيد مساعد الاخصائي وانهن متدربات .
توجهت مسرعا نحو حوادث التوليد ببحري وفي مخيلتي تلك الصورة الزاهية للمستشفيات .
وقفت وإلى جوارى المريضة وهي تنزف نحو ربع ساعة أمام أطباء وطبيبات صغار السن بعضهم مشغول بمحادثة هاتفية طويلة والبعض في حالة ( وسنة ) .
سالوا المريضة عن اسمها وما تعاني وطلبوا منها التوجه لغرفة الكشف .. بعد ربع ساعة تحركت طبيبة صغيرة لمعاينتها وعادت وطلبت مني إحضار كامل مستلزمات العملية من محاليل وريدية وحقن ومريلة وشاش وقطن ومعقم وصورة موجات صوتية وورقة لفحص الدم وأخرى لبنك الدم .. المسافة بين بنك الدم والمعنل الكائن بالحوادث العمومية ( زبالة ومرحاض كبير لا تستطيع ان تتنفس فيه من الروائح الكريهة ) يبعد حوالي 2 كيلومتر قطعتها هرولة لنحو أربع او خمس مرات مع صعود الدرج .. لا ماء تشربة في تلك الأجواء الساخنة المحفوفة بمخاطر الكرونا .
كل المطلوبات علي توفيرها من حر مالي قبل العملية .. معظم الصيدليات مغلقة نتيجة لحظر التجوال وكل الصرافات بلا نقود او معطلة .
اضطررت للاتصال بصديق عزيز يحمل تصريح مرور ومعه سيارة وطلبت منه سلفة مالية لشراء مستلزمات العملية ريثما تفتح المصارف أبوابها .. في اقل من نصف ساعة كان معي وسلمني ثلاث أضعاف ما طلبت تحسبا لأي طاريء وكلفته بالبحث عن بعض المطلوبات لاتفرغ لبنك الدم والمعنل ودفتر التسجيل .
بعد 9 ساعات وفرنا المطلوبات وتم ادخال المريضة لغرفة العمليات في الطابق الأعلى .. بعد اقل من نصف ساعة هاتفني الطبيب الذي أجرى العملية وافادني بانتهاء العملية وعلي البحث عن نقالة واخضارها عبر الدرج للطابق الأعلى لإنزال المريضة ( استخدام النقالة يتطلب عمال مدربين حتى لا يسقط المريض لأنه في حالة تخدير ) .. رفضت طلبه فابقاها لساعتين جوار الغرفة حتى فاقت من المخدر ونزلت بارجلها بمساعدة امراة مرافقة لمريضة كلفتها بذلك .
مرافق قال لي أحضرت مريضة منذ أسبوعين وما زلت في انتظار العملية ( طبعا يقصد عدم تمكنه من توفير النقود ) .. مرافقة قالت لي أن ابنتها الحامل .. خرجت أرجل الجنين من بطنها لمدة يومين ولم تجر لها عملية ولادة لضيق ذات اليد .. امرأة أخرى قالت ان بنتها فقدت معظم دمها نزفا وبعد توفر التكاليف أنقذت بأربع زجاجات دم .
هذه هي الحالة الراهنة لمستشفياتنا الحكومية وأقسام الطواري .
اذا كان المرافق شاب صغير ومريضه في حالة خطر وهو لا يملك المال اللازم حتما سيحتد مع الأطباء الذين هم في عمره ثم يحدث الاشتباك .
حينها فهمت سبب نواح أهلنا الكبار على خروج الإنجليز .
اللهم لانسالك رد القضاء ولكن تسألك اللطف فيه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق