أعمدة ومقالاتمدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق: الدبلوماسيون الأجانب بين الخديوية والانتقالية

دكتور طارق محمد عمر يكتب :
منذ أن عرف العالم البعثات الدبلوماسية المعتمدة والمقيمة لدى الدول الأخرى في القرن السادس عشر الميلادي .. استن لها قوانين لتحميها .. استمدت من الاعراف وقيم العدل وروحه والوجدان السليم .
بما ان الدبلوماسي يطلع بمهام لاتخلو من أعمال تجسسية .. ولكونه يمثل قيادة بلاده ودولته كان لابد من وضع ضوابط تحدد مديات تحركه واقواله .. لاجل حمايته واتقاء شره .
كان الشيخ الراحل / يس عمر الإمام يردد في جلساته العامة والخاصة وكتاباته عبارة : ( نحن شعب بدوي لا يعرف الالتزام بالقوانين ولايطيقها ) .. بالرجوع لحقبة التركية السابقة نجد ان السودانيين من علية القوم ومنهم السادة الختمية اعتادوا دعوة القناصل وكبار مسؤولي الدولة الاجاتب لمناسباتهم الاجتماعية الخاصة والدينية العامة .. وتلك فرص عظيمة لجمع المعلومات والوقوف على حقائق الأشياء .
لكن لما فر عدد من القناصل خشية الثورة المهدية تعطل وابورهم النهري بالقرب من عطبرة .. فدعاهم أحد السودانيين للراحة وتناول الطعام في منزله .. فلبوا الدعوة .. إلا ان مجموعة من أنصار المهدي انقضت عليهم وذبحتهم عدا مصريين رددا شهادة الإسلام .
في فترة حكم الخليفة / عبد الله لم تكن للدول سفارات في الخرطوم .. فقط راعي الكنيسة النمساوية الذي لعب دور الوسيط في استلام وارسال الخطابات بين الخليفة والخارج .. وكانت هذه الكنيسة اكبر مركز للتحسس على الثورة المهدية .. بينما وجدت كل اعزاز واكرام من قيادة البلاد .
في عهد الحكم الثنائي الانجليزي المصري كان الحكام يزورون السيدين وكبار رأسمالية السودان .. بينما اعتاد المصريون زيارة قادة الجيش والأمن والبوليس والطرق الصوفية ويجدون منهم كل حفاوة وكرم .
بعد قيام الثورة المصرية 1952 بدأت العلاقات بين الاستخبارات العسكرية المصرية والجبهة المعادية للاستعمار ( الحزب الشيوعي السوداني غير المعترف به رسميا ) .. ذلك بتوجيهات من الرئيس / جمال عبد الناصر لأجل الكيد للأحزاب السودانية الرافضة للوحدة مع مصر .. ولتدبير الانقلابات العسكرية التي لم تنجح إلا في 25 مايو 1969 .
كان لاثيوبيا رجل مخابرات يدعى / عندوم .. أشارت إليه اصابع الاتهام بالوقوف خلف تصفيات جسدية بشعة طالت المعارضين الاثيوبيين وأصبح اسمه بعبعا مخيفا في الخرطوم ولم يكن الناس يعلمون شكله .. دعاه أحد معارفه السودانيين لمناسبة عقيقة .. اشترط عليه عندوم ان تكون الزيارة سرية حتى لا ينزعج الضيوف .. بالفعل حضر وجلس لتناول الطعام فإذا بأحد الحضور يعرفه وصاح بأعلى صوته عندوم ؟… وفي لحظات غادر اغلب المدعوين ولم يستطع من بقي تناول الطعام .. فاضطر عندوم للانسحاب .
قواتنا النظامية تأثرت أيضا بتلك الأعراف الاجتماعية وتراخت عن واجباتها في بعض المناسبات .. ففي العام 1973 دعا السفير السعودي الدبلوماسيين المعتمدين في الخرطوم لحفل في منزله .. وكانت السلطات السودانية تعلم بذلك ولم تعزز إجراءاتها التأمينية .. فإذا بمجموعة من الفدائيين الفلسطينيين ( منظمة أيلول الأسود ) .. تقتحم منزل السفير وتقتل وتجرح عددا من الضيوف بما فيهم السفير والقتصل الأمريكيين .
كما حدث تراخ امني في حماية فندق الاكروبول والنادي السوداني حيث يتردد الدبلوماسيون .. اضافة لحادث مقتل رجل الدين الشيعي / باقر الحكيم في فندق هيلتون .. ابان الديمقراطية الثالثة .
كان نشاط احهزة الامن المصري والعراقي جلي وواضح للعيان في فترة حكم السيد / الصادق المهدي .. ذلك لرعاية الخلايا الانقلابية للبعث والشيوعي داخل الجيش .. واستمر هذا الحال حتى انقلاب البشير 1989 .. فضبط وأعدم البعثيين بينما هرب العقيد العراقي المشرف على الانقلاب ويدعى ( ناظم ) .. ذلك بالتعاون مع الملحقية العسكرية العراقية .
واستمرت عناصر الاستخبارات المصرية في رعاية خلايا الشيوعي في الجيش وكانت أكثر اللقاءات تتم بواسطة الملحق العسكري المصري او مساعده .. ذلك في المناسبات الاجتماعية الخاصة والدينية في دور المتصوفة .. كان ذلك تحت سمع وبصر المنظومة الأمنية .. حتى تم القبض على المشاركين في لحظة التنفيذ .. وحكموا بالإعدام .. وفي لحظة التنفيذ حضر الرئيس البشير وامر بوقف التنفيذ وعدل الأحكام إلى السجن .. وبعد أشهر عفا عنهم وأطلق سراحهم .. احدهم قال لي وهو يهم بمغادرة البلاد : لن انسى هذا الجميل للبشير .
في العشر سنوات الأخيرة من عمر الإنقاذ كثفت المخابرات الأجنبية من نشاطها مستغلة إفراغ الأجهزة الأمنية من كوادرها المحيطة باحوالها .. فأصبح من المعتاد تردد قيادات عسكرية وأمنية على منازل السفراء خاصة ( أميركا والخليج ) .. وبدا واضحا مخطط الإطاحة بحكم البشير .
السفير البريطاني وهو من أصل هندي وقد علمت ذلك من أحد عملاء إنجلترا المخضرمين حين قال لي مستنكفا : انا تعاملت مع لوردات انحليز فلن أتعامل مع سفير هندي .. هذا السفير لم يخف إدارة الاجتماعات بشأن السودان في منزله .. وشوهد في المنتديات العامة والخاصة .. وقد ساعد في فكرة استجلاب البعثة الاممية لحكم السودان .
السفير المصري اللواء مخابرات / حسام عيسى مسلم زار مقر الحزب الشيوعي وتناول مع قادته الطعام .. وعرض عليهم مساعدة الحكومة الانتقالية فمروا على ذلك مرور الكرام .. وددت لو ان قيادة الشيوعي طلبت من مصر تنفيذ مشروعات بنى تحتية وزراعية وصناعية لصالح البلدين .. عسى أن يكتب التاريخ حسنة للحزب الشيوعي اقدم أحزاب السودان السياسية إذ تأسس سرا في سنة 1913 .
فهل يسمعون ؟.
آمل ذلك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق