مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق محمد عمر : عبد الوهاب ابراهيم / الشمس غابت 

 

الخميس 9 يوليو 2020

دكتور / طارق محمد عمر يكتب :
بأمر من الدولة المهدية سكن أسرى سلاح مدفعية غردون ( الطبجية ) وأغلبهم مصريين على مشرع النيل شمال حي بيت المال .. فسمي حي الطبجية ثم غير ل ( ابوروف ) .. قيل انه من قادة الثورة المهدية .
في هذا الحي شبه العسكري ولد عبد الوهاب ابراهيم سليمان في العام 1933 .. كان والده موظفا بالسكة الحديد .. وقد ارتبطت حياة الجيران بالنيل حيث صناعة المراكب وصيد الأسماك .. وشحن وتفريغ المراكب الشراعية من والى الجنوب والشمال .
درس عبد الوهاب الخلوة على يد الشيخ يوسف الكردفاني ثم خلوة خليل عبد الماجد ومعلمها شيخ امين .
التحق بمدرسة ابوروف الأولية ثم الأميرية الوسطى فوادي سيدنا العليا .. ومنذ نشأته كان قوي الملاحظة .. في مباراة بميدان وادي سيدنا بين منتخب المدرسة وحنتوب الثانوية قال عبد الوهاب : لاحظت اهتمام الخواجة الانجليزي مستر/ براون مدير حنتوب بالطالب جعفر محمد نميري .
شارك عبدالوهاب في الحراك الشبابي لنيل السودان استقلاله ففصل من المدرسة وامتحن (خارجي) فنال شهادة أوكسفورد .
قبل بكلية البوليس في العام 1954 وتم تخريج دفعته بعد عام واحد نسبة لتكليف عدد كبير من الضباط بالسفر إلى الجنوب والتحقيق في حوادث تمرد 1955 .
في احتفالية رفع علم السودان يسارية القصر الجمهوري يوم 1/1/1956 كلف الملازم / عبد الوهاب بمرافقة السيد / عبد الرحمن المهدي وشاهده حين احهش بالبكاء عند رفع العلم .
نقل عبد الوهاب إلى مناطق مختلفة في السودان فكسب معرفة وخبرة باكرة .
ابتعث إلى دولة المانيا الغربية لدراسة التحقيق الجنائي وإدارة العمل الجنائي واللغة الألمانية ذلك في الفترة من 1959 — 1961 .
أمر بالالتحاق بالقسم المخصوص ( جهاز الامن ) في العام 1963 .. وقد كان ضمن إدارات البوليس .
في ذات العام كلف بالسفر إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتغطية فعاليات مؤتمر القمة الإفريقي .. وقد وردته معلومات تفيد بأن أحد قادة تمرد جنوب السودان سيوزع على الرؤساء منشورا معاديا لحكومة السودان .. نسق مع الامن الاثيوبي فتم ضبط المتمرد وبحوزته المنشورات وصودرت منه .. بينما ارفق عبد الوهاب نسخة منه ضمن تقريره الختامي .
وانتهز فرصة وجوده في أديس أبابا فزار مدينةرقمبيلا حيث ينطلق الدعم لحركة التمرد بإشراف قسيس يدعى / ماكلور .. وضمن التقرير كل ذلك .. ونتج عن الزيارة اقتناع القادة بضرورة افتتاح قنصلية في العاصمة الاثيوبية ومدينة قمبيلا .
شارك عبدالوهاب في كشف وكر بمدينة عطبرة يخص الحزب الشيوعي المحظور .. فيه تتم طباعة المنشورات المعادية لحكومة عبود داخل سرداب سري في باطن الأرض .. تم اعتقال بعض الشيوعيين منهم الراحل / عوض الله الكرنكي الذي كان محاسبا بالسكة الحديد وقد اعتقل بمنزل والده بحي الموردة الامدرماني .. بينما فر الشيوعي كبح .. ذلك ضمن حملة شنها الامن العام على الأوكار الشيوعية في كل بقاع السودان وقد عرفت بقضية الشيوعية الكبرى .. حيث حكم على المدانين بالسجن لفترات مختلفة ومنهم عبد الخالق محجوب سكرتير عام الحزب ومحمد أحمد سليمان مسؤول أمن الحزب .
في العام 1964كلف عبد الوهاب بالسفر ضمن وفد الرئيس / ابراهيم عبود المشارك في فعاليات مؤتمر القمة العربي بالقاهرة .
وفي ذات العام عين مساعدا لمدير أمن المديريات الجنوبية .. وقد طاف رفقة نائب القنصل الأمريكي نحو 11 موقعا تبشيريا تتبع الكنيسة الأمريكية … كان ذلك لحصر ممتلكات البعثة بعد صدور قرار من الرئيس / ابراهيم عبود بطرد رجال الدين المسيحي الأجانب نتيجة لقيامهم بأعمال تجسسية وتحريضية تحث الجنوبيين على التمرد .. وتضمن القرار سودنة الكنائس .
عين عبد الوهاب حكمدارا لبوليس مدينة ام درمان في العام 1965 .. ونفذ امر قبض على وزير الداخلية السيد / أحمد عبد الرحمن المهدي لضربه أحد الأنصار بعصا على رأسه .
وفي ذات العام عين مرافقا لملكة بريطانيا إليزابيث عند زيارتها للسودان .. وقد افتتحت حديقة الموردة ضمن فعاليات الزيارة .. وفيها نظم الشاعر قصيدة ياقائد الأسطول تخضع لك الفرسان يا ذا الفخار والطول .
عين قنصلا لجمهورية السودان لدى اثيوبيا ضمن طاقم السفارة نتيجة لازياد نشاط متمردي الجنوب انطلاقا من اثيوبيا .. ومن ضمن إنجازاته كشفه لعميل سوداني يدعى ( ع — ابراهيم ) يعمل لصالح الموساد الإسرائيلي وينسق مع حركة التمرد .. رتب عبد الوهاب مع المخابرات الإثيوبية فتمت مداهمة شقته ووجدت فيها بعض المعدات والمواد التجسسية .. فاقتيد لمبنى السفارة وتم التحقيق معه في 50 صفحة .. حيث أقر بكل التهم فتم ترحيله جوا إلى الخرطوم وسلم لرئاسة الأمن العام .
بعد قيام ثورة مايو 1969 بأشهر عين عبد الوهاب نائبا لمدير جهاز الامن العام وقد اعترض على تعيين شيوعيين في قمة الجهاز من خارج الشرطة .. كان من بينهم محمد أحمد سليمان وسمير جرجس وعبد الباسط سبدرات .. وقد اكتشف عبد الوهاب وجود خلافات ومكايدات بين الشيوعيين المستوعبين .
طلب منه السيد / بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة ثورة مايو الإفراج عن معتقلين مصريين مخالفين لقانون الاقامة في البلاد إلا ان عبد الوهاب رفض طلبه لأن المعتقلين مخالفين لشروط الاقامة واطلاق سراحهم مخالف للقانون وقال له : اذا أردت ذلك عليك بتعديل القانون .
بعد فشل الانقلاب الشيوعي بتاريخ 22 يوليو 1971 صدر قرار جمهوري بتعيين السيد / عبد الوهاب ابراهيم سليمان مديرا عاما لجهاز الامن العام .. راجع حراسات الامن فوجدها مكتظة بالمعتقلين .. بعضهم لاسباب محهولة .. شكل لجنة لتصنيفهم واطلاق سراحهم تباعا .
1972 رافق اللواء / محمد الباقر النائب الأول للرئيس نميري في زيارة للعراق بدعوة من رئيسها البكر لتحسين علاقة البلدين التي توترت بحكم ضلوع العراق في الانقلاب الشيوعي في 19 يوليو 1971 .. والتقيا البكر ونائبه صدام حسين .
في العام 1973 أصدر الرئيس / نميري قرارا باحالة عبد الوهاب للتقاعد من قوات الشرطة وتعيينه رئيسا لجهاز الامن العام بدرجة نائب وزير على أن يتبع الجهاز لرئاسة الجمهورية .
لمنع الحساسيات بين الشرطة والأمن العام أصدر السيد عبد الوهاب أمرا بتبعية إدارات الامن في الأقاليم لقمندانات الشرطة ريتما تكتمل عملية تكوين الإدارات الجديدة .
1974 أمر باعتقال القاضي / عبد الرحمن إدريس لضلوعه في انقلاب العقيد / حسن حسين الا انه استطاع الهرب من المعتقل بعد ان قفز من منور الحمام قبيل أذان المغرب في شهر رمضان .. وقد تمكن الجهاز من تعقبه وإعادة اعتقاله .
لبى عبد الوهاب طلبا لبروف / عبد الله الطيب بإطلاق سراح الطالب وقتها جعفر ميرغني الذي حمل درجة الأستاذية فيما بعد .
رار الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من قيادة جهاز مخابراتها ذلك في عامي 1974 و 1978 وكان الانطباع الذي خرج به ان المخابرات الامريكية جهاز عادي مثله مثل اجهزة مخابرات الدول الاخرى الا انه مضخم اعلاميا .
1975 وردت معلومات للسيد عبد الوهاب تفيد بنشاط استخباري واسع في الخرطوم يقوم به دبلوماسي روسي من خلال تردده على الأماكن العامة خاصة بار اسكرابيه .. ويسعى للحصول على معلومات تتعلق بالجيش السوداني .. وضع عبد الوهاب خطة لتوريطه فدفع له بأحد ضباطه وافهامه بأنه يعمل في الجيش .. طلب منه معلومات نظير مبلغ مالي وحدد مواعبد الاستلام بالقرب من البار .. أعد له كمينا مصورا وشهود فقبض متلبسا وأخذ يصرخ بطريقة هستيرية .. سلم بعدها للسفارة وتكتمت على الموضوع .. بينما اتصلت المخابرات الامريكية مباركة بجاح العملية لأن هذا الدبلوماسي دوخ الامن الأمريكي وأمن الدول الغربية ابان تواجده في أوروبا .
اخترق عبد الوهاب .. الشريف حسين الهندي زعيم المعارضة وحسن الترابي زعيم الإسلاميين وكافة القيادات الحزبية .
في اجتماع لمجلس الأمن طلب نميري تصفية الشريف الهندي والصادق المهدي فاعترض عبد الوهاب لأن ذلك يخالف القانون مما اغضب النميري ودفع به لمغادرة الاجتماع .
كشف عبد الوهاب مخطط الغزو الليبي للسودان قبل شهر من التنفيذ ( 2 يوليو 1976 ) الا انه غادر البلاد لعلاج زوجته فحدث الغزو .
هيأ عبد الوهاب المعارض الشادي حسين هبري ودعمه حتى حكم بلاده.. ذلك بسبب تساهل سلفه في مرور المعارضة السودانية عبر تشاد .
كذلك أهتم بالمعارضة الارترية وزودها بالسلاح .
لعبد الوهاب بصمات إنسانية في دعم أسر المعتقلين ومنع تشريدهم من وظائفهم .
شاد نادي ابوروف الرياضي الثقافي وشارك في تأسيس جامعة ام درمان الأهلية .
تلك لمحات من إنجازات الفريق اول شرطة / عبد الوهاب ابراهيم سليمان مدير ورئيس جهاز الأمن العام ووزير الداخلية الذي رحل عن دنيانا قبل أسبوع رحمه الله .
تقييم وتحليل :
1/ النشأة الأولى في حي الطبجية ( ابوروف ) اكسبته ثقة في نفسه واورثته روح التعاون والإنسانية .
2/ النجاح لا يأتي من فراغ فهو يتطلب حسن التخطيط والاجتهاد والجدية وطاعة القادة والانضباط المهني والسلوكي وحب التعلم وهو ما اختطه عبد الوهاب لنفسه .
3/ الصراحة والوضوح والتفاني في العمل والتزام روح القانون والاستقلالية كل ذلك ساعد عبد الوهاب في تسنم ذرى العمل الأمني .
رحمك الله أستاذي وقدوتي الفريق اول : عبد الوهاب ابراهيم سليمان .. والله اسال ان يجزيك خير الجزاء عن الوطن والمواطنين .
(ولو كان العمر شيئا في يدي لوهبته ليك يا سيدي ) .
د. طارق محمد عمر .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق