مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : مجزرة بيت الضيافة/اقتفاء أثر الجناة

 

الاثنين 20 يونيو 2020

دكتور طارق محمد عمر يكتب :
بيت الضيافة شيده المستعمر البريطاني في العام 1898 لسكن حاكم السودان اللورد كتشنر ولضيوف البلاد رفيعي المستوى .. كما شيد الانجليز بيوت ضيافة عدة بيوت للضيافة داخل وخارج العاصمة الخرطوم .. ولكن الذي وقعت فيه المجزرة يقع شرق القصر الجمهوري وبوابته الرئيسة تفتح جنوبا بشارع الجامعة .. وأخرى للعاملين تفتح شمالا على شارع النيل .. وهو مبنى واسع وفخيم .. وأشبه مايكون بالفنادق العتيقة وبه أكثر من حديقة ومطعم وصالة استقبال .
انقلاب الحزب الشيوعي الذي قاده المقدم / هاشم العطا في يوم 19يوليو 1971 شرع في تنفيذه في الثالثة عصرا اي بعد نصف ساعة من مغادرة العاملين في الدولة مكاتبهم وفي الثالثة من عصر يوم 22 يوليو 1971 حدثت مجزرة بيت الضيافة ( إشارة ربط لضلوع المكتب العسكري للحزب في الجريمة ) .
ضباط شيوعيون برتب نقيب وملازم اول وثاني كلفوا باعتقال النميري واعضاء مجلس الثورة عدا خالد حسن عباس وزير الدفاع الذي كان متواجدا في القاهرة .. هؤلاء تم اعتقالهم في القصر الجمهوري تحت إشراف ومسؤولية النقيب / صلاح ابوحديد .. ومجموعة أخرى من الضباط المحسوبين على النظام اعتقلوا في مباني جهاز الامن القومي تحت إشراف ومسؤولية الملازم أول / العماس .. اما المجموعة التي قتل معظمها غيلة وبدم بارد فقد احتحزت في مبنى قصر الضيافة تحت مسؤولية واشراف كل من الملازمين أوائل / احمد جبارة والحاردلو وهما من الدفعة 20 كلية حربية .
الضباط الذين تولوا الاعتقالات والحراسات منتمين للحزب الشيوعي منذ الصبا ويتبعون للحرس الجمهوري الذي كان العقيد / ابوشيبة قائدا له وهو يعد من كبار الضباط الشيوعيين في الجيش ولايتورع عن أي عمل عنيف وفق ما أفاد من زاملوه .
جميع القتلى من الضباط محسوبين على مجموعة نميري ( قوميون عرب .. ناصريون ) وأكثرهم من كتيبة جعفر التي كان يقودها العميد / سعد بحر ( أحد الناجين من المجزرة ) .. وفيهم الملازم القتيل / محمد حسن عباس شقيق اللواء / خالد وزير الدفاع . . ضباط الشيوعي كانوا يصفون القتلى بأنهم النظام نفسه .. وقد اهانوهم وبصقوا على وجوههم لحظة الاعتقال .
إفادة العماس وبعض الضباط الشيوعيين من المشاركين في الانقلاب والاعتقال توضح ان التعليمات بتصفية المعتقلين في القصر والجهاز وبيت الضيافة واضحة حال فشل الانقلاب .. والعماس أفاد بأنه وبقية الضباط الحرس تلقوا تعليمات واضحة من العقيد الشيوعي / ابوشيبة بإعدام المعتقلين جميعا حال فشل الانقلاب او قيام ثورة مضادة .
جميع الضباط والأفراد المكلفين بحراسة المعتقلين كانوا يتبعون للحرس الجمهوري ولقائده العقيد / ابوشيبة .
بدأ تقتيل الضباط المعتقلين بعد سماع دوي مدافع دبابة هاجمت القصر الجمهوري لتحرير المعتقلين .. ولحظتها طلب النميري من حراسه رفع قماش ابيض ( بشكير ) حتى لايقتل الجميع .. في هذه اللحظة سمح النقيب / صلاح ابوحديد للنميري بالهرب .. واسع عام النميري بأحد العساكر العاملين في القصر ( شقيق مبارك الكودة ) في القفز أعلى الجدار الغربي للقصر .. ومن ثم دخل مباني وزارة المالية تفاديا للدبابة قبل ان يعرفهم بنفسه وياخذونه نحو مباني الإذاعة والتلفزيون ليبشر بعودته .. الضباط الشيوعيين لم يجدوا تفسيرا لعدم تصفية صلاح للنميري ورفاقه .. علما بأنه سجن معهم .
إعدام الضباط في بيت الضيافة تم قبل وصول دبابة أخرى اتجهت لانقاذهم وعندما اقتحمت المبنى كانت الدماء تسيل من تحت الأبواب .
أكثر ما كان يخيف الضباط الشيوعيين الانقلابيين هو سلاح المدرعات لاعتقادهم أن قائده العقيد / احمد عبد الحليم على علاقة بالاستخبارات العسكرية المصرية التي خدعت الحزب الشيوعي وجعلت منه حاضنة سياسية لثورة مايو ثم انقلبت عليه وابعدت عضويته من محلسي الثورة والوزراء .
عسكريون شهود سمعوا العقيد ابوشيبة يتحدث عبر جهاز لاسلكي مع طرف آخر يأمره بإعدام المعتقلين اثر سماعه دوي مدافع الدبابة .. وفي ذات الوقت أفاد شهود بأن العماس تحدث بلغة يفهم منها ان الطرف الآخر رتبة عليا ذلك بقوله : ( اسف ياسعادتك مابقدر اعمل كدا .. وخلاص كل شيء انتهى وكل واحد حر ويعمل مايراه ) .. وبعدها قال العماس للمعتقلين ان ابوشيبة أمره بقتلهم إلا انه رفض .
المقدم / عثمان محمد احمد ( كنب ) أحد الناجين من المذبحة أفاد بأن احمد جبارة والخاردلو نفذا الجريمة وقد شهد بذلك ضمن آخرين في المحكمة العسكرية .. وأضاف بأن احمد جبارة لحظة اعتقاله قال لمعتقليه من الضباط : ( انا الذي قتلتهم ولا أخاف من اي شيء ) .
بناء على ذلك حكمت المحكمة بإعدام ابوشيبة والحاردلو وأحمد جبارة بينما سجن آخرين بينهم صلاح ابوحديد والملازم اول / الرشيد حمزة المرضي الذي شارك في عملية الاعتقالات .. وكرم العماس ورقي .
يذكر ان عبد الخالق محجوب أخفى نفسه عن الأنظار عقب المجزرة وفشل الانقلاب بحي ابوروف ضمن أسرة بها بعض الشيوعيين .
تحليل وتقييم :
1/ دون أدنى شك قد ثبت ارتكاب الحاردلو وأحمد جبارة الضابطان الشيوعيان مجزرة بيت الضيافة تنفيذا لتعليمات قائدهم العقيد الشيوعي / ابوشيبة .
2/ حداثة السن والرتبة وقلة الخبرة وحماس الشباب والطاعة العمياء للاوامر كانت من اسباب ارتكاب الجريمة .
3/اختفاء عبد الخالق محجوب في منزل بحي ابوروف يشير إلى تورطه في الانقلاب والمجزرة .
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهديين .. وجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها ومابطن .
د. طارق محمد عمر .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق