مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : الحصان الأسود : حفيد ادعيته

 

الأربعاء 22 يوليو 2020

دكتور طارق محمد عمر يكتب :
هاشم العطا واسمه هاشم محمد العطا ادعيته وهذا لقب لجده الكبير المعروف بالمروءة والنجدة .. حين استنجد به عابر سبيل نهبت قافلته .. فذهب إلى السراق وكان يعرفهم ويحترمونه .. وادعى أن القافلة خاصته فسلموها له .. ولما عاد بها سئل كيف فعلت ذلك ؟. قال : ادعيته اي ادعيتها او ادعيت ملكيتها .. فلقب بادعيته .
اصول هاشم توطنت شمال السودان منطقة القرير فهو شايقي وفي عروقه دماء من شمال نيجيريا وهذا ما اكسبه السحنة الإفريقية .
استقرت بعض أصوله في منطقة حجر العسل فكسبت مزايا الحعليين من شجاعة واقدام وارتياد مخاطر وجود وكرم .
جده لوالده استقر بمدينة ام درمان حي بيت المال منطقة سوق ( ام سويقو ) حيث ولد هاشم وعاش طفولته وصباه وشبابه الباكر .
حي بيت المال أحد أعرق احياء ام درمان القديمة المتميزة بالثقافة والتطلع نحو المستقبل وإتقان الفعل وفصاحة القول .. كان النشاط الشيوعي في ذلك الوقت مكثفا ببيت المال حتى انها عرفت باسم ( موسكو ) ..ووقتها كان التنظيم معروفا بالجبهة المعادية للاستعمار .
48 ساعة قضيتها في جمع معلومات عن الراحل / هاشم العطا ولم يكن ذلك باليسير فأغلب قرنائه رحلوا عن الدنيا .. وماكتب عنه نذز قليل مقارنة بحجم الرجل وادواره العسكرية والاستخبارية والسياسية .
هاشم تلقى تعليمه بمدرسة بيت المال الأولية ابتداء من سنة 43 — 1947 ثم ام درمان الوسطى في الفترة من 48 — 1951 فالأهلية الثانوية العليا ام درمان من 52 — 1955وفي هذه المرحلة تم تحنيده لصالح الجبهة المعادية للاستعمار ( التنظيم الشيوعي ) .. ولم يحدث أحدا بهذه العلاقة حتى من يجالسهم من أصدقاء في ( سوق الموية بأم درمان ) وهو الميدان الكائن شرق بوستة ام درمان مما يعني انه لم يكن من الكوادر الخطابية بل التنظيمية والأمنية وهؤلاء تغلب عليهم السرية بطبائعهم وما يدربون عليه نظريا وعمليا .
الحزب زين له الالتحاق بالكلية الحربية فالقيادة حينها أدركت أن لا مجال لنظام حكم شيوعي في السودان عبر الانتخابات العامة التي يتسيدها حزبا السيدين ( عبد الرحمن المهدي وعلي النيرغني ) .. وكان الازهري قد ادرك ذلك فاستعان بطائفة الختمية واسمى حزبه بالوطني الاتحادي .. الوطني تشير الى الاستقلال وهو مايسعى اليه والاتخادي تعني الاتحاد مع مصر إرضاء لطائفة الختمية .
ولما كان الحزب الشيوعي الحادي لايؤمن بوجود الذات الإلهية وماتنزل من السماء .. لم يكن في مقدوره اتخاذ ايا من الطائفتين الدينيتين سلما للصعود إلى السلطة إلا اختراقا .. او خدعة او انقلابا عسكريا .
التحق هاشم العطا بالكلية الحربية السودانية سنة 1957 وكانت التوجيهات التنظيمية المستدامة توجه الطلبة الحرببين الذين الحقهم التنظيم بالكلية تقضي بزيارة سكرتير عام الحزب / عبد الخالق محجوب في منزله بحي الشهداء مساء كل خميس لأخذ جرعات فكرية ومعنوية قبل الذهاب إلى ذويهم .. تخرج هاشم في سنة 1959.. كان ذلك في عهد الفريق / ابراهيم عبود ..
بصدور كشف تنقلات الضباط الجدد سنة 1959 وجد هاشم نفسه ملحقا بالمنطقة العسكرية المركزية الوسطى .. ومنها اختير للانضمام للقوات السودانية العاملة تحت راية الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونغو حين كان الزعيم الكونغولي الشيوعي باتريس لوممبا مطاردا من قبل القوات البلجيكية .. وفي سنة 1963 غادر إلى إنجلترا في بعثة دراسية عسكرية واستخبارية وبعد عودته الحق بمدرسة حبيت العسكرية حتى العام 1965 وقد ادخل بعض التطوير في فنون القتال .. ومن ذلك الدروة المتحركة وهي عبارة عن هدف خشبي متحرك يرمى عليه بالذخيرة .. والراجح انه تعرف هنالك على النميري الذي كان قائدا للمدرسة بحكم الانتماء لتنظيم الضباط الأحرار الضام للناصريين والشيوعيين والبعثيين .
1965 سافر إلى مصر في بعثة دراسية يرجح انها استخبارية لأنه عندما عاد إلى السودان نقل ضابطا للاستخبارات بجنوب السودان .. ومنها غادر في سنة 1968 في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية .. ليعود في ذات العام وعين ملحقا عسكريا بالسفارة السودانية في المانيا الغربية حتى العام 1969 ..
وبعد وقوع انقلاب 25 مايو 1969 عين عضوا بمجلس قيادة الثورة ووزيرا للثروة الحيوانية ومساعدا لرئيس الوزراء للقطاع الزراعي .. ومكلفا بأعمال الترجمة لقادة الثورة ( انجليزي عربي ) .
وبتاريخ 26 نوفمبر 1969 اجتمع النميري بنحو 100 من قادة الجيش وأوضح لهم أنه لم يعد يثق في الشيوعيين وطالبهم بحماية الثورة .. بعدها أصدر قرارا بإقالة كل من المقدم / بابكر النور والرائدين / هاشم العطا وفاروق حمد الله من جميع مناصبهم .. ذلك على خلفية معلومات أمنية أشارت إلى تسريب ما يدور في اجتماعات مجلس قيادة الثورة الى قيادة الحزب الشيوعي السوداني .. وعد الأمر ماسا بالأمن القومي للبلاد .
عزم المكتب العسكري للحزب الشيوعي بشقيه النظيمي المدني والعسكري على تدبير انقلاب عسكري يطيح بالنميري واعوانه الناصريين ويصحح مسار الثورة الشيوعي فكرا الاشتراكي اقتصادا ومجتمعا .. وبعد اتصالات بالاستخبارات الروسية والألمانية الشرقية والبلغارية تم ترتيب الانقلاب بشكل محكم ومفاجيء وكان لكل من المقدمين / عبد المنعم الهاموش من المدرعات وابوشيبة قائد الحرس الرئاسي الدور الأكبر في التخطيط والتنفيذ والحشد العسكري .
في الثالثة من عصر يوم 19 يوليو 1971 تم تنفيذ الانقلاب بنجاح واعتقل النميري ومجموعته في القصر الجمهوري وآخرين في جهاز الامن القومي والبعض في بيت الضيافة .. والمجموعة الأخيرة هي التي تعرضت للقتل بعد فشل الانقلاب وقد أنكر كل الضباط المشاركين أمام المحكمة علاقتهم بالمجزرة إلا ان هاشم العطا قال : انا اتحمل وحدي كامل المسؤولية لأن الجميع كان تحت امرتي .. كما ان الملازم اول / احمد جبارة اعترف أمام معتقليه من الضباط والافراد بانه من تفذ العملية وانه غير نادم على فعلته .. بينما يقول بعض الضباط المشاركين في الانقلاب بمهام خارج بيت الضيافة : ان من نفذ المجزرة افراد من غرب السودان لا تعرف دوافعهم وقد هربوا من الخدمة بعد وقوع المجزرة واختفوا في مناطق ذويهم .
تمت محاكمه هاشم العطا أمام محكمة عسكرية ايحازية استغرقت بضع ساعات وأصدرت حكمها باعدامه رميا بالرصاص ووقع النميري على الحكم بالموافقة .. ونفذ صبيحة يوم 23 يوليو 1971 ب 800 رصاصة فصلت جسده لنصفين .
تحليل وتقييم :
1/ بات جليا ان الراحل / هاشم العطا كادر شيوعي في مكتب الاستخبار العسكري التابع للتنظيم .
2/ يفهم من الدورات الخارجية المكثفة التي حظي بها هاشم في مدة وجيزة ومتقاربة الأزمان انه كان يمثل أملا كبيرا للحزب في حكم البلاد عسكريا .. لذا حرص على إعداده وتاهيله .. وربما كان ذلك بهدف الحصول على معلومات عسكرية واستخبارية من الجيوش الغربية لصالح الاتحاد السوفيتي .
3/ إسناد الملف الحيواني والزراعي لهاشم العطا يشير إلى تمكنه من ناصية النظرية الاقتصادية الاشتراكية .
4/ يرجح ضلوع هاشم في تمليك قيادة الحزب مايدور في اجتماعات مجلس قيادة الثورة ذلك انه رجل استخبارات ومترجم لغة انحليزية في لقاءات قادة المحلس بالزوار الاجانب .
5/ واضح ان إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش السوداني كانت متواضعة الأداء منذ الاستقلال وحتى مطلع سبعينات القرن الماضي بدليل توغل الحزب الشيوعي في الجيش تعيبنا وتدريبا ونقلا .
اللهم اغفر لهاشم العطا واجعل إعدامه كفارة لذنوبه .. فأنت الغني عن عذابه .
د. طارق محمد عمر .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق