مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق :  هيبة الدولة / السودان نموذجا

مدونة الدكتور طارق :  هيبة الدولة / السودان نموذجا

دكتور طارق محمد عمر يكتب :
الهيبة لغة تعني المهابة والاجلال والخوف .. والدول تكتسب الهيبة باتاحة الحريات العامة في اطار الدستور والقانون .. وبسط العدل بانفاذ القانون علي القوي وإن كان حاكما قبل الضعيف من عوام الناس .
والهيبة تتطلب نشر الثقافة القانونية والأمنية والوطنية والتزام المؤسسات بتنفيذ القوانين واللوائح .
في عهدي المستعمر الأول والثاني تحققت هيبة الدولة ذلك بعد استيفاء الشروط حين علم المواطن والضيف حقوقه وواجباته .. وطبق القانون بصرامة على كبار قادة البلاد .
في عهد المهدية ارتبطت هيبة الدولة بقوة الحاكم وقسوته فكان الخوف من الحاكم والأمير في شخصه فإن غاب فعل الناس مايحلو لهم .. البعض تجسس وخرب لصالح الأجنبي والبعض أتى المحرمات .
في الحقبة الوطنية التي أعقبت الاستقلال 1956 — 1968 كان التزام القانون وروحه هو السائد في البلاد وكل مسؤول يحفظ القوانين واللوائح عن ظهر قلب فلا يخالفها لأنه يعلم بالمصير .
في فترة الحكم المايوي 1969 — 1985 طغت شخصية الحاكم النميري الذي عرف بقوته وبطشه وقسوته حتى على كبار معاونيه لكن البعض استغفله واختلس وافسد من وراء ظهره .
الفترة الانتقالية لسوار الذهب 1985 — 1986 على قصرها إلا ان الدولة بدأت تسترد هيبتها في إطار الحريات والقوانين واللوائح .
الديمقراطية الثالثة 1986 — 29 يونيو 1989 ضعفت هيبة الدولة لفشل السياسات الخارجية التي أدت للحصار الاقتصادي .. فتوقف دعم الجيش فتغلب عليه التمرد في كثير من المواقع بفضل الدعم الدولي والإقليمي .. وانتشرت استخبارات التمرد حتى داخل العاصمة الخرطوم .. وكاد المتمردون ان يقتلوا نساء واطفال العاصمة .. وتفشى النهب المسلح في دارفور ونشط التهريب الى الجوار . وقتل الزعيم الشيعي الحكيم في صالة فندق هيلتون وفجر فندق اوكروبولس والنادي السوداني .
في العشر سنوات الأولى لحكم الإنقاذ 30/6/1989 — 30/6/1999 سادت هيبة الدولة بانفاذ القوانين واللوائح ودعم الجيش والقوات النظامية وتحلي المسؤولين بروح القانون وطهارة اليد .. وهذا لاينفي وقوع بعض التجاوزات والتعسف في تطبيق القانون .
أما في العشرين سنة الاخيرة من عمر الإنقاذ أخذت هيبة الدولة تضعف شيئا فشيئا بسبب الانقسام في الصف الحاكم وارخاء الحبل للمختلسين والفاسدين أخلاقيا وتجار المخدرات والعملاء والجواسيس .. فغاب العدل وحضر الظلم فكان اقتلاع النظام أمرا لامفر منه .
الحكومة الانتقالية برئاسة د. حمدوك وقبل استلامها زمام الأمر شن ناشطون حملة إساءات وتجريح على كل حكام دول الخليج وتركيا ومصر وترتب على ذلك تدخلات أمنية أشعلت أطراف البلاد واضعفت من هيبة الدولة .. وكان للتصريحات غير الموفقة لبعض المسؤولين واليسار المناصر للحكومة تجاه القوات النظامية بالغ الأثر في انكماشها وعدم مبادرتها بالتدخل لحسم التفلتات .. بالإضافة لتهميش القضاء في تشكيل لجنة ازالة التمكين والفساد .. وتجاوز النيابة العامة والشرطة بتشكيل لجنة تحقيق في فض الاعتصام برئاسة محامي بلا سابق تجربة في مجالات التحري والتحقيق .
أن استعادة هيبة الدولة تتطلب استيفاء شروطها من حريات واستقلال قضاء وعدل وقانون يطال الجميع دون فرز اومحاباة .. مع نشر التوعية والثقافة القانونية والأمنية والوطنية عبر وسائل الإعلام المختلفة وأن يلتزم الحاكم بالقانون قبل المواطن .
وبالله التوفيق .
د. طارق محمد عمر .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق