أعمدة ومقالات

ابراهيم عثمان يكتب :عن نقص العاجزين عن التمام

الخميس 13 أغسطس 2020

ابراهيم عثمان :

لو أن للدولة العميقة من القدرات الخارقة ما يمكنها – وهي المداسة المبلولة الصارخة – من لي ذراع حكومة قحت وإفشالها تماماً وتخريب كل خططها دون أن تتم عمليات ضبط للمخربين تتناسب مع حجم الفشل الكبير ، لو أن لها هذه القدرات لما أسقطتها خطط القحاتة وهي القوية المتمكنة
الذكية.

كثرة ذكر القحاتة للدولة العميقة كسبب للأزمات يعني إعترافهم بكثرة الأزمات في عهدهم، وبالفشل التام في وقف تفاقمها، فكلما تسمع مسؤولاً يكثر من ذكر الدولة العميقة فاعلم أن فشله أكبر من أن يغطيه بأي حيلة غير الشماعة. وإذا كانوا كاذبين في دعوى الإفشال، فإن حكومتهم أحق بوصف أفشل وأكذب حكومة، وإذا كانوا صادقين فهم – لا غيرهم – أحق بوصف المبلولين المداسين الصارخين .

ما يقوله القحاتة عن فشل النظام السابق في حل الأزمات لا يمكن أن يلتقي مع ما يزعمونه من قدرته الفائقة على صناعتها الآن، فتكلفة صناعة أزمة مواصلات مثلاً بطريقة رشاوي السائقين تزيد أضعافاً مضاعفة عن تكلفة حلها، فالسائقين – على فرض أنهم مرتشون فعلاً كما يتهمهم القحاتة – يحتاجون إلى التوريدة كاملة كي يجلسوا في بيوتهم، لكنهم يمكن أن يعملوا إذا تم تحفيزهم بعُشر توريدة فوق ما يحصلون عليه من العمل، ومن عجز عن إعطائهم عُشر توريدة وهو حاكم هو أعجز من أن يعطيهم توريدة كاملة وهو معارض، وقس على ذلك صناعة أزمة وقود بصبه في النيل وأزمة خبز بشراء (العجين) ورميه في الكوش.. إلخ .

لو أن ١٪؜ فقط من مرات استخدام القحاتة لشماعة الدولة العميقة لتبرير الفشل والتقصير كانت صحيحة لكان ٩٩٪؜ من عمل المحاكم الآن مخصصاً لمحاكمة المخربين الذين عوقوا عمل الحكومة وأفشلوها. فالفشل والتقصير كبيران ويشملان كل المجالات ويغطيان مساحة السودان كلها .

ولو أن ذلك كان قد حدث لكانت المحاكم الآن قد تم تقسيمها إلى محاكم التفلتات الأمنية، ومحاكم الحروب القبلية، ومحاكم انخفاض سعر الجنيه، ومحاكم الندرة والغلاء والتضخم، ومحاكم أزمات الخريف والفيصان، ومحاكم أزمات الصحة والدواء، ومحاكم أزمات الكهرباء والمياه والتعليم والمواصلات والخبز والوقود، ولكان معظم أنصار النظام السابق الآن في فتيل المحاكم، فالفشل الماثل أكبر من أن تصنعه قلة منهم .

عدم حدوث ذلك وعدم تصرف القحاتة بمقتضي دعاويهم ووفق ضخامتها ليس له تفسير سوى الدجل والكذب الفاجر، خاصةً وأنه لا يحدث رغم مساعي القحاتة لتسييس القضاء، وتلفيق القضايا، ورغم تمتُّع الساسة القحاتة في لجنة التمكين بصلاحيات قضائية مطلقة، ورغم استعادة اللجنة لصلاحيات جهاز الأمن الملغاة وممارستها بتعسف زائد.

إن الفجوة بين ضخامة الفشل وضخامة دعاوي التعويق، وبين انعدام قضايا التعويق المنظورة أمام المحاكم لا يمكن ردمها إلا بالاعتراف بفشل أضخم في حراسة الحكومة لمشروعاتها أي بعجزها التام أو بأن الكذب قد بلغ حداً لا تكفي كل أنواع الأعلاف لردم الفجوات الناتجة عنه .

الغريب أن القحاتة لا يشتكون للشعب من سعي الإسلاميين الجاد والحقيقي لتخريب “إنجازهم” الوحيد، أعني مشروع العلمنة و “دوس” التشريعات الإسلامية، ذلك رغم أنه “التخريب” الوحيد الذي يأخذونه بجدية ويتصدون له بحسم فتُغلَق الكباري والطرق والمساجد، وتحدث الاعتقالات وتُفتَح البلاغات تمهيداً لإحالة “المخربين” إلى المحاكم، وهذا يكشف عن أن “الإنجاز” الوحيد محمي جيداً، ولو كانت هناك إنجازات أخرى وتم استهدافها فالمؤكد، في ظل عدالة البل والدوس، أن يكون التصدي بطريقة أشد لأن الجرم سيكون أوضح ولن يكون في التصدي بقوة ما يُخجِل القحاتة.

يزعم القحاتة أن مشكلة بورتسودان (من “مخلفات” النظام البائد) الذي كان بصنع الحروب بين المكونات الاجتماعية تطبيقاً لسياسة “فرق تسد”، ويزعمون بأنه يقف وراءها الآن، ولاستسهالهم اطلاق الاتهامات فإنهم لا يهتمون بتناقضاتها وفجواتها المنطقية، ولهذا لا يشرحون كيف لسياسة “فرق تسد” الناتجة من ذات الفعل (صناعة الحروب) أن تخدم الدولة العميقة وهي حاكمة ثم تخدمها وهي معارضة !! وإن اجتهدوا ليثبتوا عدم وجود تعارض منطقي في ذلك، وغالباً لا يفعلون، فإنهم لا بشرحون الفروقات في تفاصيل التنفيذ التي تحقق هذا الهدف بحيث تربح الدولة العميقة ويخسر القحاتة في الحالتين !!

بعض المعلوفين تكفيه ربطة عشب ردئ النوعية في شكل دعوى يطلقها أحد بهلوانات السياسة عن “مخلفات” النظام السابق لينسى حقيقة في حجم أن كل مكونات بورتسودان كانت تعمل معاً في مشاريع تعميرها وتروِّح عن نفسها معاً في مهرجانات السياحة والتسوق لا حرائق الإفناء .

إبراهيم عثمان

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق