مدونة الدكتور طارق محمد عمر

مدونة الدكتور طارق : السودان / فوبيا المخابرات المصرية

 

دكتور طارق محمد عمر يكتب :

كلمة فوبيا يونانية الأصل .. تعني الرهاب او السراب او الخوف من أمر غير واقعي .. او تقدير الشيء بأكثر او أكبر من حجمه ومقداره .
فوبيا الكشاف والبصاصين والمخبرين المصريين أمر قديم في السودان ذلك ان مصر من أكثر الدول التي خضعت للاستعمار الشرقي والغربي والإسلامي والافريقي .. المستعمر هو الذي ينظم سرايا الاستخبار ويدفع بها سرا نحو أراضي السودان لجمع المعلومات عن نظم الحكم والقوات النظامية وزعماء القبائل والجماعات الدينية والثروات .. وهم لمن غلب .
جواسيس مصر تجسسوا على الدولة السنارية اخترقوا بلاط حكامها ومهدوا لتوغل قوات التركية السابقة لغزو السودان ووضعه تحت سلطة الاستعمار .
كانوا أكثر نشاطا ونفيرا من بين العاملين في الأجهزة الأمنية خلال حكم التركية السابقة الذي امتد لنحو 65 عاما .
خمسة آلاف مصري أسرتهم المهدية وحددت إقامتهم في ام درمان .. وكانت السلطات تستشعر تجسسهم دون دليل .. لذلك كثيرا ما كتب الخليفة عبد الله لامرائه في الشمال ان شددوا مراقبة اولاد الريف الذين هم طرفكم مع اعادة من تجدوه متوجها نحو مصر الى ام درمان .
آلسلطان علي دينار لطالما حذر عناصر استخباراته في اطراف السلطنة الدارفورية من اولاد الريف وجواسيس النصارى .
الإنجليز استفادوا من عناصر الاستخبار المصرية في جمع معلومات وافية عن الثورة المهدية مهدت لاجتياح اراضي السودان .. وكانوا يحذرون المسلم المصري ولايثقون فيه .. ويفضلون التعامل مع نصارى الأقباط وغيرهم من البلدان الأخرى .. لذلك عينوا مئات الاقباط في الخدمة العامة والشرطة والأمن لأغراض تجسسية ولمراقبة زملائهم المسلمين .
الأزهري كان قلقا جدا من مخابرات مصر ولطالما توقع أذاهم في شخصه وأسرته .. ذات مرة زارته مجموعة من المصريين أقرباء حرمه ومكثوا قرابة الشهر في المضيفة التابعة لمنزله .. فحذر أفراد أسرته والعاملين من مغبة التحدث معهم او مجالستهم واصفا إياهم بالمخابرات .. وتعمد عدم مقابلتهم حتى غادروا .
عبد الله خليل المنحدر من أصول نوبية مصرية كان منزعجا من تحركات الاستخبارات العسكرية المصرية المقيمة في السودان خاصة الملحق العسكري على خشبة الذي اخترق الجيش وكون خلايا سرية انقلابية في داخله بينما استطاع الامن المصري زرع أحد صولاته في سكرتارية الخاصة .
ابراهيم عبود شخصية عسكرية منضبطة وصارمة ولايتردد في إنفاذ القانون حد الإعدام .. لذلك في فترته كانت عناصر الاستخبار المصري حذرة جدا ومنكمشة على نفسها .. وحاول مندوب المخابرات المصرية الذخول في علاقات اجتماعية وصداقة مع قادة أمن السودان .. ولطالما زارهم ليلا في منازلهم لتجاذب أطراف الحديث والخروج ببعض المعلومات .. لكن القادة كانوا نابهين ووطنيين فلم يملكونه مايتمنى .
الأزهري رئيس مجلس السيادة ومحمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان عقدا مؤتمر اللات الثلاث في الخرطوم 1967 لمصالحة النظام المصري مع الحكام العرب وكسر عزلته .. فكان الجزاء تنسيق الاستخبارات العسكرية المصرية مع استخبارات الحزب الشيوعي المحلول لقيام ثورة مايو التي أطاحت بحكمهما .. الاستخبارات المصرية خدعت الحزب الشيوعي وساندت نميري ورفاقه الناصريين ومهدت لإعدام عبد الخالق محجوب ورفاقه .. ثم اخترقت القصر الحمهوري ومكتب الرئيس النميري ( المستشار الإعلامي ) .. ثم تقاعست عن تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لإنقاذ حكم النميري من ضراوة المعارضة .
شاركت الحكومة المصرية في دعم متمردي جنوب السودان ابان فترة الديمقراطية الثالثة بحجة تحالف الصادق المهدي رئيس الوزراء مع الحكومة الإيرانية .. ولأن النظام المصري يخشى انتقال عدوى الديمقراطية لشعبه .
في حقبة الإنقاذ 1989 — 2019 زاد نشاط منظومة الامن المصري في السودان لأسباب عدة .. أهمها التوجه الإسلامي الإخواني للنظام والخوف من مساعدة إخوان مصر لاحداث انقلاب مماثل في القاهرة ولتحالف الإنقاذ مع النظام الإيراني ودعمه لتنظيم حماس الفلسطيني وفتح حدود البلاد أمام العرب والمسلمين .. وبشكل خاص العناصر المتشددة .. لهذا وذاك جندت المخابرات المصرية شخصية شغلت منصبا رفيعا في المخابرات السودانية .. كانت مدخلا وسببا في شق الصف الإسلامي وتعيين العملاء والجواسيس المجندين لصالح الأجهزة الأمنية المصرية في مواقع حساسة ومفصلية في نظام الحكم والخدمة العامة المدنية والأمنية ونشر الفساد المالي والاداري في الدولة .. وهو من أقنع القيادات الامنية بالمحاولة الوهمية لاغتيال الرئيس المصري مبارك في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا 1995 .
كان تسلل عناصر امنية مصرية إلى الأراضي السودانية ووصولها لحي سوق الشجرة بمدينة ام درمان وتفتيشها لبعض المنازل بحثا عن إسلاميين مطلوبين للسلطات المصرية .. أمرا مثيرا للدهشة ويضع أكثر من علامة استفهام وتعجب .
كذلك نشطت الاستخبارات المصرية في تجنيد ضباط وأفراد من الجيش لأغراض تجسسية ورعت الخلايا الشيوعية العسكرية في صفوف القوات المسلحة خاصة في التحضير لانقلاب انا السودان .
عناصر الاستخبار المصري اخترقت منازل قادة الإنقاذ عن طريق خدم المنازل وسكرتارية المكاتب وشركات النظافة والصيانة .
لكن الأخطر هو اختراق مكتب مدير المخابرات الفريق استخبارات / مصطفى الدابي .. ومكاتب رئيس الحمهورية في القصر الحمهوري ومجلس الوزراء ووزارة الدفاع وقاعة الصداقة وبيت الضيافة حيث يقيم .
تحليل وتقييم :
1/ الحاجة لتوفير الغذاء والماء والأمن وتزويد الدول الكبرى والغنية بالمعلومات المفصلة .. تعد أهم دوافع النشاط الأمني المصري في السودان .. وانه يمهد لاتخاذ سياسات تلبي المتطلبات المصرية .
2/ من اسباب فوبيا المخابرات المصرية انتشارها الواسع وتعدد الغطاءات التي تعمل تحتها ومن خلالها .. مع ضعف المعلومات التي توفرها احهزة أمن السودان لعدم استقرارها ومحدودية امكانياتها البشرية والمادية .. وبالتالي عدم تمكنها من الإحاطة بهذا النشاط الواسع والسيطرة عليه وإبطال مفعوله .
3/ انساقنا الامنية كثيرا مايختلط عليها الأمر لافتقارها الوصف الوظيفي الخاص بالمنظومة الأمنية المصرية واختصاصاتها ومهامها داخل السودان وخارجه حيث مصالحه وممثلياته وجالياته .
الاستخبارات العسكرية المصرية واسمها ( المخابرات المصرية للحرب والاستطلاع ) مهمتها اختراق الجيش السوداني واستخباراته ورصد عناصره في الخدمة والمعاش والاشراف على الخلايا الانقلابية وادارة ملف مياه النيل والسدود والطلمبات الساخبة .. ومياه البحر الاحمر .. ومراقبة النشاط الزراعي المروي بمياه النيل .
مباحث أمن الدولة ( الأمن الداخلي المصري ) يرصد المواطنين السودانيين داخل وخارج السودان باعتبارهم جزء من الأمة المصرية .. ويخترق الاحزاب والتنظيمات وقادتها والحكومة المركزية والولائية .. والشرطة ومبادئها الجنائية والأمن الداخلي .
المخابرات العامة المصرية ( الامن الخارجي ) ترصد وتراقب الوجود الأجنبي داخل السودان ممثلا في البعثات الدنلوماسية والقنصلية والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات الاجنبية والجاليات والأقليات .. والمخابرات الخارجية التابعة لجهاز المخابرات العامة والاستخبارات ومكافحة الجاسوسية في الجهتين .. ووزارتي الخارجية والتجارة الخارجية وكل الإدارات المختصة بالعمل الخارجي في مختلف الوزارات ومجلس الصداقة الشعبية .
4/ للتخلص من فوبيا الأمن المصري لابد من تنظيم وتدريب وتأهيل انساقنا الامنية .. ونشر الثقافة الأمنية وسط اعضاء القوات النظامية وعامة الشعب .. مع تفعيل القوانين والحرص على انفاذها .. ثم تقدير الأمور بقدرها دون زيادة او نقصان .
ولنتذكر أوجه الخير في الشعب المصري الذي لايملك حيلة ولايهتدي سبيلا .
وبالله التوفيق .
د. طارق محمد عمر .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق