أعمدة ومقالات

اللواء م مازن محمد اسماعيل يكتب : الإنفلات الأمني

 

الخميس 27 أغسطس 2010

( *الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ* )

📍الاستقرار الأمني غايةٌ عزيزةٌ لا تتحقق إلا على أرضيةٍ راسخةٍ من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، كما أن استرداد الإستقرار الأمني بعد فقده مهمةٌ عسيرة ومخاضٌ طويل ، بل إن مجرد الحفاظ على الاستقرار الأمني ليس سهلاً حتى في الدول المستقرة جداً والتي تنتابها الهزَّات الأمنية ما بين الفينة والأخرى بسبب المتغيرات المختلفة.

📍مرتكزات الاستقرار الأمني هي احتكار الدولة للقوة من خلال قواتٍ نظاميةٍ متماسكة ، وِحدةٍ وطنيةٍ على أسسٍ سليمة وعدالة اجتماعيةٍ مقبولة ، سيادة القانون وتساوي الجميع أمامه.

📍السودان ظل منذ استقلاله يعاني حالة عدم الاستقرار الأمني بدرجاتٍ مختلفةٍ ولعوامل متعددة ، ولكنه اليوم يشهد تهديداً واضحاً بحتمية الإنفلات الأمني الشامل ، وذلك أن عوامل تقويض الاستقرار لن تأتي من أطراف البلاد وحدها ، أو بسبب الاستهداف الخارجي وحده ، وإنما مؤشرات ذلك قد غدت عميقةً في قلب الدولة ومؤسساتها ، علاوةً على أطرافها الملتهبة أصلاً ، أو تلك التي على وشك الإلتهاب.

📍أسباب حتمية الإنفلات الأمني تتلخص في الآتي:
♦️غياب وِحدة القيادة للبلاد ، حيث تماهت شخصية القيادة في كياناتٍ رسميةٍ متعددة ، توَّهت كاريزمية القيادة ومسئوليتها حتى جعلتها نهباً للاستقطاب الحاد والتنافس الضار.

♦️انعدام الرؤية وانسداد الأفق وفقدان البوصلة واحتضار الأمل ، حيث انقضى عامٌ على الثورة لم يتحقق فيه سوى السقوط المتعدد.

♦️فقدان الثقة في الذات ، وفي الآخر الوطني ، والتنازل عن سيادة البلاد بمنحها لبعثةٍ سياسية قادمةٍ لتُهندس مستقبلها السياسي والأمني.

♦️الصراع الواضح بين المكونات الحاكمة ، واختطاف القرار السياسي ، ومصادرة الإرادة الوطنية ، وارتقاء قيادة الدولة في أبراجٍ شاهقة حرمتها من تلمُّس معاناة شعبها ، فباتت مواعيدها كمواعيد عرقوبٍ أخاه بيثربِ ، ولجانها موعِدها الحشرُ ، وبيناتها مخيبة للآمال ومعالجاتها أسوأ من واقع الحال.

♦️اغتيال ثقة الشعب في قواته النظامية ، وتوغل الفتنة عميقاً بين مكونات هذه الأنظمة ، وتربص بعضها بالآخر ، ما بين تفكيكها بمعول القانون أو هدمها بمدفع القوة.

♦️احتشاد العاصمة بالقوات والجيوش والعتاد كبركانٍ مُحتدم ، وتعرُّض هذه القوات لأقذع الإساءات واتهامات التخوين والاستفزاز من شعبهم ونُخبِه ، وتهديد هذه القوات بحلها واستبدالها بالقوى التي كانوا حتى الأمس القريب يقاتلونها ، ليتم بناء القوات النظامية من جديد على أساس المحاصصة الجهوية.

♦️تجذُّر خطاب الكراهية وازدراء الأديان ، وتكريس الإنقسام السياسي والأيدلوجي والمجتمعي ، وتقنين كل ذلك بالعزل السياسي لقطاعٍ عريضٍ من الشعب ، وإضفاء الشرعية على أنشطةٍ شبيهةٍ بمحاكم التفتيش.

♦️تنازع هيبة الدولة بين مكونات وأسماء عديدة ، وغض الطرف عن انحسار احتكار الدولة للقوة ، وتعملق أجسام غير شرعية منحت نفسها حق إنفاذ القانون والذي أصبحت مفاهيمه غير متفق عليها.

♦️انهيار الأوضاع الإقتصادية والمعيشية لدركٍ غير مسبوق ، وهوت العملة الوطنية حتى كادت أن تلحق بعُملة فنزويلا ، ووصلت خزينة الدولة حضيضاً بلغ أن احتاجت البلد من يصرف عليها من جيبه الخاص.

♦️جائحة كورونا ~الصغيرة دي~ أضافت ضيقاً على ضيق ، فاعترفت وزارة الصحة بافتقارها لكل شئ سوى التوجيه بمزيدٍ من التشديد بحبس المواطنين في أماكنهم دون تحمل أدنى مسئولية تجاههم ، وحقق السودان رقماً قياسياً متفرداً عالمياً بأنه الدولة الوحيدة التي تتجاوز فيها أعداد الوفيات لعدد المتعافين.

♦️استعار الأنشطة الاستخبارية الهدامة داخل البلاد ، فتمأسست عملية شراء الذمم ، واستطاعت دويلاتٌ بحجم مجلس بلدي أن يبلغ نفوذها حجم مصادرة الإرادة الوطنية بحفنة دولارات ، فتغير مفهوم المصالحة الوطنية إلى أنه انتكاسةٌ على الثورة ، وتبدل مفهوم السلام الشامل إلى صفقة آحاد ، وانحصر مفهوم الحكم في الغنيمة والإطلالة الإعلامية ، وصار الاقتصاد مجرد عمليات سمسرة ، وتقزم مفهوم العدل في البل ، وغدا الوطن حقاً حصرياً لفئةٍ دون الآخرين.

♦️تضخُّمت الحركات المسلحة بانتعاش عمليات التجنيد ، وتعززت قدراتها في ليبيا ، واشرأبت أعناقها في المنطقتين ، وكرَّست تموضعها في جبل مرَّة ، وارتفعت سقوفاتها التفاوضية بشكلٍ يهدد وحدة البلاد واستقرارها.

📍إن تقويض الإستقرار المضطرب أصلاً ، سيُفضي بنا حتماً إلى حربٍ أهليةٍ على أسسٍ متعددة .. مهنية ، جهوية ، قبلية ، مناطقية ، سياسية ، أيدلوجية وطبقية ، وسنمُرُّ بمخاضةٍ طويلةٍ حزينةٍ يخسر فيها الجميع ، وسينتج عنها حين تنجلي تجزئةً لما تبقَّى من السودان وِفق الإرادة الدولية حين تشاء ذلك.

📍إن معصية الناصحين المشفقين والعارفين المجرِّبين تُورِث الحسرة والندامة ، وقد جاد أولئك الملأ بالنُّصحِ مراراً وتكراراً ، سراً وجهراً ، فبذلوا منخولَ رأيهم وعُصارة فكرهم ، فلم يكن لهم من جزاءٍ سوى التسخيف والتخوين والتسويف ، فعاد لسان حالهم كحال علي بن أبي طالبٍ مع شيعته ، وحال دُريد بن الصُّمة مع غُزية ، وإذ نرى كل ذلك .. فإنما نكتُب معذِرةً إلى ربنا ولعل قومنا يتقون.

( *وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* )

📍أسأل الله مخلصاً .. أن أكون مخطئاً فيما أرى ، ومُغالياً فيما أتوقع ، ومتشائماً فيما أظن .. والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل.

حفظ الله بلادنا وجنبها الفتن

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق